وهكذا، فالإهداء، في الحقيقة، بمثابة رأس للجسد، والنص تمطيط له وتحوير، إما بالزيادة والاستبدال تارة، وإما بالنقصان والتحويل تارة أخرى. يشكل الإهداء بالنسبة للسيميولوجي بؤرة منهجية أساسية في الاستكشاف والاستقصاء النصي، ونواة تمهيدية لقراءة القصيدة الشعرية، يمدها بالحياة الحقيقية، والروح المتحركة، والمعنى النابض. ويمدنا" [الإهداء] بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته، ونقول هنا: إنه يقدم لنا معرفة كبرى لضبط انسجام النص، وفهم ما غمض منه، إذ هو المحور الذي يتوالد ويتنامي ويعيد إنتاج نفسه، وهو الذي يحدد هوية القصيدة، فهو- إن صحت المشابهة بمثابة الرأس للجسد- والأساس الذي تبنى عليه، غير أنه إما أن يكون طويلا، فيساعد على توقع المضمون الذي يتلوه. وإما أن يكون قصيرا، وحينئذ، فإنه لابد من قرائن فوق لغوية توحي بما يتبعه". [1]
ومن باب الإضافة، لابد للمحلل أن يستعين بنظرية شارل بيرس، ويتمثل جهازه المفاهيمي التأويلي الذي يتمثل في: الرمز، والإشارة، والأيقون. ويستوعب أيضا تصورات فرديناند دي سوسير اللسانية والسيميائية، ويستفيد أيضا من آراء جيرار جنيت، ورومان جاكبسون، ورولان بارت، وكريماص، وليوهويك، وكلود دوشيه، وهنري ميتران، وشارل كريفيل، وأمبرطو إيكو، وآخرين ...
وخلاصة القول، يتبين لنا - من هذا كله- أن الإهداء عتبة ضرورية في قراءة النص الأدبي بصفة عامة، والنص الشعري بصفة خاصة. وليس الإهداء أيضا عنصرا مجانيا زائدا، كما يعتقد الكثير من الباحثين والدارسين، بل هو من أهم المصاحبات النصية التي
(1) - محمد مفتاح: نفسه، ص:72.