ويلاحظ أن هذا الإهداء أنه إهداء أدبي عام، على الرغم من طابعه الخصوصي الذي يجمع بين حميش والخنساء الذي يتمثل في حرقة الشعر والرثاء والبكاء على الزمن الرديء؛ زمن الرفض والتمرد عن الواقع الكائن، والتطلع إلى الواقع الممكن. وقد تكون الخنساء -هنا- مشبها به، أو معادلا موضوعيا لعشيقته، أو لأنثى يحبها. فهي تشبهها في تذوق الشعر وقرضه ونقده. والمهدى إليها - هنا- امرأة تحيل على رمزية عاطفية وأدبية. وإذا استعنا بتعبير رولان بارت، فإنها جزء من السيرورة الإبداعية للرواية وتوجهاتها التخييلية، فقد تحولت الخنساء إلى امرأة من ورق، وهو ما يعني أنها دخلت في علاقة حوار مع المتخيل الحكائي؛ لأنها تومئ إلى المرأة الزوجة، أو المرأة العشيقة معا، ما دامتا تتوحدان في التحليل الأوديبي من المنظور الفرويدي.
وقد تكون الخنساء، من منظور القارئ العادي وطالب الأدب، هي تلك الشخصية التاريخية التي تركت بصماتها في الأدب العربي، ولا سيما في الشعر الجاهلي، وتربعت على عرش الرثاء لصدق إحساسها وعاطفتها الحارة وشعورها الجياش. بيد أن الخنساء، في هذا الإهداء، ترتبط بتجربة خاصة، قد تحيل على عشيقة معينة، أو قد تدل على زوجته المثقفة التي تشبه خناس الأدب والشعر. ومن ثم، فهذا الاسم العلم متعدد الدلالة والإيحاء والتضمين.
ومن ثم، يسمى إهداء (محن الفتى) وإهداء (العلامة) بإهداء العمل الأدبي. وهو إهداء عام موجه إلى القراء بصفة عامة. وهناك إهداء خاص هو إهداء النسخة التي أرسلها الروائي بنسالم حميش إلى أصدقائه. وتكمن وظيفة هذا الإهداء في ربط الصلة بين المهدي