نسيها وقد تكيفت النفس بها، انتقش الأسلوب فيها، كأنه منوال يأخذ بالنسج عليه بأمثالها من كلمات أخرى ضرورة" [1] "
ولعل ذلك هو ما جعل كثيرا من أصحاب الموهبة الشعرية يحرصون على تجويد إنتاجهم، من خلال العمل برواية أشعار الفحول، نتيجة لإعجابهم بطرائقهم الفنية في تناول المعاني، على النحو الذي يبدو في مقولة أبي الفرج الأصبهاني:"أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال أخبرني محمد بن الحسن الأحول عن رواية من الكوفيين قالوا كان جميل بن معمر العذري راوية هدبة وكان هدبة راوية الحطيئة وكان الحطيئة راوية كعب بن زهير وأبيه" [2] ، كما يبدو أيضا من قول ابن قتيبة في أبي ذؤيب الهذلي الشاعر:"كان راوية لساعدة بن جؤية الهذلي" [3]
ولكم ألح النقد العربي القديم في التأكيد على أن الشعراء كانوا يستمدون معانيهم ممن سبقهم، لأن العبرة في نظر كثير منهم لم تكن في المعاني إذ هي بتعبير الجاحظ:"مطروحةٌ في الطريق يعرفها العجميُّ والعربيُّ والبدويُّ والقرَوي والمدنيّ وإنَّما الشأنُ في إقامةِ الوزن وتخيُّر اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء، وفي صحَّة الطبع وجَودَة السَّبك" [4] ، ومن ثم لا نعجب حين نقف على قول الآمدي: إن"أهل العلم بالشعر لم يكونوا يرون سرقات المعاني من كبير مساوى الشعراء وخاصة المتأخرين، إذ كان هذا بابًا ما تعرى منه متقدم ولا متأخر" [5] وقول القلقشندي:"وهذا مما لا يستغني عنه ناظم ولا ناثر" [6]
نذكر هذه المقدمة تمهيدا للوقوف على التراث الشعري الضخم الذي تمخضت عنه معلقة امرئ القيس في أفئدة الشعراء، وهذا التراث لم يكن على درجة واحدة من الجودة أو الاحتذاء، وإن كان على درجة متقاربة في الإعجاب بالقصيدة، وهذا اللون من الإعجاب والاحتذاء يعد
(1) مقدمة ابن خلدون ـ عبد الرحمن بن خلدون ـ دار ابن خلدون بالإسكندرية صـ 422.
(2) ينظر: الأغاني 10/ 276
(3) الشعر والشعراء لابن قتيبة ـ تحقيق أحمد شاكر ـ دار الحديث الثالثة 2001 م جـ 2/ 653
(4) الحيوان 3/ 131، 132.
(5) الموازنة ـ الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي ـ تحقيق السيد أحمد صقر ـ دار المعارف ـ الرابعة 1982 م 1/ 311
(6) صبح الأعشى لأبي العباس أحمد القلقشندى ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة 2004 م (الذخائر 131) جـ 2/ 288. (طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب الخديوية) .