الصفحة 41 من 53

لقد أعلن الشاعر منذ العنوان خلفية قصيدته التراثية متمثلة في معلقة امرئ القيس، وفي هذا التصريح إعلان من الشاعر بأن لديه من الأبعاد ما تستطيع معلقة امرئ القيس أن تضيفه إلى رصيدها الفني، ومن ثم لم ينقل الشاعر النصّ التراثي نقلا ساذجًا غفلًا، وإنّما عمدَ إلى تعديله وعقد حوار معه، وتغييره بحيثُ انتهى جزءا من سياق القصيدة وأصلا من أصولها الأولى، لأن به تتم المقارنة بين حال وحال، وزمن وزمن، ومغامرة ومغامرة.

إن الشاعر قد عمل على خداع المتلقي وقام باستدراجه، ليقع في أشد الموضوعات الحياتية حيوية وسخونة، من خلال مغامرة ظن فيها أنه سيعيش حالة من العبث الماجن لامرئ قيس داعر، ومن ثم كانت المفارقة التي أفاق معها القارئ على الواقع المريض، فرحلة الشاعر لم تكن للمغامرة، وإنما كانت رحلة في الضمير الإنساني الذي يلتقي هو والشاعر بـ (سقط الضياع) ، ومفردات هذه الرحلة قد انتقلت من البداوة متمثلة في (بعر الآرام) إلى التحضر السطحي الذي يتفوه معه الفرد بمفردات ساذجة، ففي الصورة الأولى كان البعر ميدانا للسبح الخيالي من الشاعر، توحيه رائحة هذا البعر، وفي الثانية كان بعر الجهل ميدانا للتفاخر بذل البيان.

وتبدو قصيدة الدكتور العزب أقدر القصائد على امتصاص معلقة امرئ القيس، وتحويلها لمواءمة القضايا المعاصرة، كما أنها تعد أحكم القصائد في معالجة التجربة الشعرية بطريقة فنية جيدة، يمكن الوقوف عليها من خلال وقوفنا على البناء الفكري والصياغة الفنية، والتصوير الفني والموسيقا الشعرية في القصيدة، وهو ما يتضح في البيان التالي:

يبدو ترابط البناء الفكري في القصيدة متحققا بصورة جيدة، حيث ساعد البناء القصصي في شد خيط الوحدة في القصيدة، فقد تعامل الشاعر مع تصوير الهزائم معاملة قصصية جيدة، من خلال حوار تفجيري في مقاطع القصيدة، يقوم على نقض ما حاولت معلقة امرئ القيس بناءه، ففي الوقت الذي قامت فيه معلقة امرئ القيس على التغني بمغامرات بطولية نسائية ـ قامت قصيدة الدكتور العزب على التغني بمغامرات بطولية إسلامية:

قفا نبك حتى نبل الثرى

ونرحل في ذكريات المكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت