بابا من أبواب التأثير والتأثر في المعاني والألفاظ، يتم به حفظ الحياة للشعر العربي، أو للفرائد منه على وجه الخصوص، إذ إن في استئناس اللاحق ببيت السابق حياة لهذا البيت وقصيدته وتخليد لذكرهما، ومحاولة التأكيد على استمرار القصيدة حية في الوعي الجمعي، بما يعد إضافة لفن الشعر وليس طرحا منه على الإطلاق.
وقد اختلفت مشارب الشعراء في احتذاء معلقة امرئ القيس، مع تباين واضح في الاهتمام بالشكل والموضوع، فمن الشعراء من حاول استلهامها عن طريق التضمين أو التشطير أو المطارحة، من خلال قصائد أو مقطعات [1] أو أبيات يبدو فيها جليا أثر المعلقة، حتى وإن اختلف مع موضوعها اختلافا بينا.
ويمكن تقسيم التراث الشعري القائم على الإعجاب والاحتذاء إلى قسمين رئيسين هما التضمين والمطارحات على النحو الذي يعكسه البيان التالي:
والتضمين هو أن يضمن المتكلم ـ عامدا أوغير عامد ـ كلامه شيئا مشهورا من منثور غيره أو منظومه، للتدليل بها على المعنى الذي هو بصدده، ومن ثم فهو يختلف عن المعارضة من حيث إن"الشاعر المضمن لا يتحتم عليه الالتزام بغرض الشاعر الآخر ولا بمعانيه، أما المعارضة فتعني التزام الشاعر بغرض الآخر الذي يعارضه ووزنه وقافيته دون لفظه وعبارته" [2]
"على أن التضمين قد يكون بقصد، وقد يكون بغير قصد، فالتضمين المقصود يقف الشاعر حياله قبل إنشاء النص جاهدا في أن يوفق في السبك الدقيق بين فكره والفكر الذي يحمل القول المضمن به، ويتوفر هذا اللون من التضمين في المعارضات التي قامت على الإعجاب والاستعانة، فالتضمين له وجود في خيال ونية المضمن، أما معارضات التحدي فلا مجال فيها للتضمين،"
(1) المقطعات: جمع مقطعة، وهي ما دون القصيدة يقول ابن منظور:"وقالوا شعرًا قصّد إذا نقح وجوّد وهذب ... وليست القطعة إلا ثلاثة أبيات أو عشرة أو خمسة عشر، فأما ما زاد على ذلك فإنما تسميه العرب قصيدة"، كما يقطع الفيروزآبادي بأن المقطع إنما يطلق على كل قصير فيقول:"و المقطَّعة كمعظَّمة، والمقطعات القصار من الثياب ... ومن الشعر قصاره وأراجيزه ... ويقال للقصير مقطّع مجذّر"ينظر: لسان العرب (قطع) والقاموس المحيط: مجد الدين الفيروزآبادي - دار الحديث. (قطع) .
(2) المعارضة في الأدب العربي ـ د إبراهيم عوضين ـ مطبعة السعادة ـ الأولى 1980 م صـ 24.