والمعارضات التي قامت على التسلي غالبا ما يكون التضمين فيها سرقة، ذلك أن الشاعر الذي يتسلى ليس لديه من الوقت والقدرة ما يغنيه عن الاستعانة بفكر غيره، فيضمن أو قل فيسرق، حينئذ يكون التضمين غير مقصود لذاته" [1] "
ويمكن أن نقف على تطور النظرة الشاعرة للنص الشعري التراثي، من خلال رصد مضمنات معلقة امرئ القيس، وكيف أثرت هذه المعلقة في الوعي الجمعي لدى أدباء العرب المسلمين، على الرغم مما فيها من عبث ومجون، يقول أبو بكر الصولي:"حضرت باب علي بن عيسى الوزير، ومعنا جماعة من أجلاء الكتاب، فقدمت دواة و كتبت:"
وقفت على باب ابن عيسى كأنني ... قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل
إذا جئت أشكو طول فقري و خلتي ... يقولون لا تهلك أسى و تجمل
ففاضت دموع العين من قبح ردهم ... على النحر حتى بل دمعي محملي
لقد طال تردادي و قصدي إليهم ... فهل عند رسم دارس من معول
فنُمّ الخبر إليه فاستدعاني، و قال: يا صولي، فهل عند رسم دارس من معول؟ فاستحييت، وقلت: أيد الله الوزير، ما بقي شيء، و أنا كما ترى، فأمر لي بخمسة آلاف درهم فأخذتها، و انصرفت. [2]
والواضح أن الصولي لم يكن يقصد تشطير قصيدة امرئ القيس، لأنه لم يزد على هذه الأبيات، وإنما قفز الشطر الأول من المعلقة إلى ذهنه عندما أراد أن يشبه وقوفه بباب ابن عيسى بوقوف امرئ القيس على أطلال حبيبته دون جدوى، إلا ما يكون من ذكرى الحبيب ومنزل الحبيب، ثم خضع الشاعر لمغريات الصورة فمزج بين شعره وشعر امرئ القيس، لينتهي مع ما انتهى إليه الشاعر من أن الرسم الدارس ليس يرجى من ورائه الخير، وهذا الشطر بعينه هو الذي حرك الوزير لعطاء الرجل، في محاولة عملية منه لنفي زعمه.
(1) من حديث المعارضات الأدبية د / عبد الوارث الحداد - مطبعة السعادة - الأولى 1981 صـ 54
(2) نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة ـ القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي ـ تحقيق عبود الشالجي ـ دار صادر ـ بيروت 1973 م جـ 7/ 252.