الصفحة 10 من 53

فالمعنى هنا من قول امرئ القيس:

كأني لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال

ولم أسبا الزق الروي ولم أقل ... لخيل كرى كرة بعد إجفال

ويدل على ذلك إشارة الشاعر الى مطلع قصيدة امرئ القيس بقوله:

أحباء ساروا قبلنا لمنازلٍ ... فيا صاحبي رحلى قفا نبك من ذكرى

لا نستطيع ـ مهما حاولنا ـ أن ننكر على الشاعر تأثره بنص شعري سابق عليه، لأن هذه النصوص الرائدة هي التي تسهم في تشكيل وجدان الشعراء، وموقفهم منها ـ إيجابا وسلبا ـ هو الذي يساعد في دفع مسيرة العملية الشعرية على مر العصور، والشاعر مطالب بحفظ كثير من الأشعار، حتى يستقر في ذهنه ما راق من الأساليب الجيدة، لأن الشعر ـ باعتراف الجاحظ ـ"صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير" [1] ، ومن شأن الصناعة والنسج أن توضع لهما شروط ضابطة، جعل منها ابن خلدون الحفظ من جنس شعر العرب وتعمد نسيان ذلك المحفوظ، وذلك"حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها، ويتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير الأساليب ... ومن كان خاليًا من المحفوظ فنظمه قاصر رديء، ولا يعطيه الرونق والحلاوة إلا كثرة المحفوظ، فمن قل حفظة أو عدم لم يكن له شعر، وإنما هو نظم ساقط، واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ، ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال يقبل على النظم، وبالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ، وربما يقال إن من شرطه نسيان ذلك المحفوظ، لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة، إذ هي صادة عن استعمالها بعينها، فإذا"

(1) الحيوان للجاحظ ـ تحقيق ـ عبد السلام هارون ـ مصطفي البابي الحلبي، الثانية 1965 م 3/ 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت