المطلب الثاني
علم الطبري رحمه الله وثناء العلماء عليه
قلت ولقد نشأ إمامنا الجليل نشائة صالحة في كنف والده بآمل وحفظ القرآن الكريم وكتب الحديث منذ صغر سنه وتفرس فيه النباهة والذكاء والرغبة في العلم وسرعان ما تفتح عقله، وبدت عليه مخايل النبوغ والاجتهاد يقول القاضي الشجيري [1] حكاية عن الإمام الطبري أنه قال حفظت القرآن ولي سبع سنين ? وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين ? وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين [2] ولقد غمره والده بالرعاية والعناية والأهتمام كما هي عادة المسلمين في مناهج التربية الإسلامية، وخاصةً أن والده رأى رؤيا تفاءل بها خيرًا عند تأويلها فقد رأى أبوه رؤيا في منامه أن ابنه واقف بين يدي الرسول http://islamstory.com/sites/all/themes/islamstory/images/r_20.jpg ومعه مخلاة مملوءة بالأحجار، وهو يرمي بين يدي رسول الله http://islamstory.com/sites/all/themes/islamstory/images/r_20.jpg، وقصَّ الأب على مُعَبِّرٍ رؤياه فقال له:"إن ابنك إن كبر نصح في دينه، وذبَّ عن شريعة ربه".
ويبدوا انا جريرًا قد اخبر ابنه بهذه الرؤيا فكانت محفزةً له في طلب العلم وتحصيله [3]
ولقد تمتع الإمام الطبري رحمه الله بمواهب فطرية متميزة، جبله الله عليها، وتفضل عليه بها، كما حفلت حياته بمجموعة من الصفات الحميدة، والأخلاق الفاضلة، والسيرة المشرفة؛ ومن هذه الصفات: نبوغه وذكائه وسرعة حفظه والدقة في الحفظ كما بينا في ما سبق.
وإن كُتُبه التي وصلتنا لأكبر دليل على ذلك، حتى قال عنه أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن المفلس:"والله إني لأظن أبا جعفر الطبري قد نسي مما حفظ إلى أن مات ما حفظه فلان طول عمره" [4] .
وزيادةً على ذلك كان رحمه الله ورعًا زاهدًا عابدًا عفيفًا متواضعًا قال عنه بن كثير:
"وكان من العبادة والزهادة والورع والقيام في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم، ... وكان من كبار الصالحين" [5] .
ولقد بداء رحمه الله رحلته العلمية بعد ان بلغ مبلغه في شبابه فأرتحل بين مدن طبرستان وتلقى العلم على أهل هذه البلاد بعد أن تعلم علي يد مشايخه في آمال إذ كانت عادتهم أخذ العلم عن أهل بلدهم
(1) - قاض ? كان عالما بالأحكام والقرآن والأدب والتاريخ? ولي قضاء الكوفة ? توفي سنة 350 هـ.
(2) - تاريخ الملوك والأمم للطبري (1/ 15) ، معجم الأدباء (18/ 49) ، تاريخ التراث العربي (1/ 159) .
(3) - معجم الأدباء (18/ 49) ، والإمام الطبري للزحيلي (ص 31) .
(4) - معجم الأدباء (18/ 69) ، والإمام الطبري للزحيلي (ص 62) .
(5) - البداية والنهاية (11/ 166) .