المطلب الثالث
مصنفات الإمام الطبري رحمه الله
وبعد هذه الرحلة في طلب العلم لم تضعف همة الإمام ابن جرير يرحمه الله رغم ما بلغه من كبر السن فهو رغم ذلك لم يكف عن التعلم وهو في مرحلة التصنيف والتدريس، فالإنسان دائمًا في تعلم فوائد جديدة، والعجيب في شخصية هذا الرجل أنه كان صاحب همة عالية جدًا.
إذا كانت النفوس كبار الهمم عالية، تعبت في تحقيق مطلوبها الأجسام، فاستمر ابن جرير رحمه الله حتى بلغ السادسة والثمانين من عمره لم تفتر عزيمته، ولم يخف نشاطه، ولم يجف قلمه حتى مات وهو في السادسة والثمانين وحتى في مرحلة الشيخوخة بدأ بتصنيف عدة كتب، وقطع في كل منها شوطًا ولم يتمها، كفضائل علي وفضائل أبي بكر وفضائل عمر وفضائل العباس والموجز في الأصول وتهذيب الآثار وهو من أعظم كتب الحديث لكنه لم يتمه، كذلك ألف في الأصول كتاب الآذر، ولكنه لم يخرج منه شيئًا، وأراد أن يعمل كتابًا في القياس فلم يعمله.
يقول أبو القاسم الحسين بن حبيش الوراق: كان قد التمس مني أبو جعفر أن أجمع له كتب الناس في القياس لأن التصنيف يحتاج فيه العالم إلى اطلاع على مصنفات ومؤلفات من كتب قبله في نفس الموضوع فجمعت له نيفًا وثلاثين كتابًا، فأقامت عنده فترة مديدة، ثم كان من قطعه للحديث بشهور ما كان، فردها علي، وفيها علامات عليه بحمرة قد علم عليها، أي: قد اطلع، وعلم بعلامات [1] .
وقبيل مرض الوفاة كانت الهمة متجهة للتصنيف وزيادة التأليف، وهذه الهمة الجبارة لا شك أنها وليدة ذلك الإيمان القوي الحافز والدافع، ونتيجة التربية، ونتيجة ما قذف الله في قلب هذا الرجل من حب العلم، والنهمة التي رزقها الله إياها، وإذا رزق الله طالب العلم نهمة في الجمع؛ فإنه لا يقف عند حد.
ولم يؤلف الطبري رحمه الله في فنٍ واحدٍ، أو كان متخصصًا في فن واحد فقط، بل جمع مختلف العلوم الشرعية واللغوية وغيرها، فهو إمام في اللغة .. إمام في التاريخ .. إمام في الحديث .. إمام في التفسير .. إمام في القراءات .. وهكذا.
ولقد ترك لنا الطبري رحمه الله ثروة علمية تدل على غزارة علمه، وسعة ثقافته،، ودقته في اختيار العلوم الشرعية والأحكام المتعلقة بها، وكان له قلم سيَّال، ونَفَس طويل، وصبر في البحث والدرس، فكان يعتكف على التصنيف، وكتابة الموسوعات العلمية في صنوف العلوم، مع ما منَّ الله عليه من ذكاء خارق، وعقل راجح متفتح، وجَلَد على تحمل المشاق؛ ومن هذه المؤلفات:
(1) - معجم الأدباء (6/ 2462)