وكان لا يبين درجة الأسناد كما أنه لم يعمد إلى ما يقال من طريقة: من أسندك فقد أحالك.
وكان لا يفرق بين اقوال التابعين ولا الصحابة في التقديم ولا التأخير ولا يفرق بين طبقات السلف في الترجيح ولاكنه يقدم قول الصحابة فيما يتعلق بأسباب النزول والجمهور على قول غيرهم وقد يعده إجماعا، ويعد القول المخالف لهم شاذًّا ويعد عدم قول السلف بقولٍ دلالة على إجماعهم على تركه، ويرجح بهذه الحجة عنده.
ولم يلتزم بالأخذ بقول الصحابي في الغيبيات ولم يعرِض عن مرويات بني إسرائيل لأنه تلقاها بالآثار التي يروي بها عن السلف، وقد يبني المعنى على مجمل ما فيها من المعنى المبيِّن للآية ويؤخر أقوال أهل العربية، ويجعلها بعد أقوال السلف، وأحيانًا بعد ترجيحه بين أقوال السلف. لا يقبل أقوال اللغويين المخالفة لأقوال السلف، ولو كان لها وجه صحيح في المعنى.
لقد لخص لنا الأستاذ الفاضل محمد محمود الحلبي - في كلمة الناشر للطبعة الثالثة - منهجَ الطبري باختصار فقال:"وهو تفسير ذو منهج خاص، يذكر الآية أو الآيات من القرآن، ثم يعقبها بذكر أشهر الأقوال التي أُثرت عن الصحابة والتابعين من سلف الأمة في تفسيرها، ثم يورد بعد ذلك روايات أخرى متفاوتة الدرجة في الثقة والقوة في الآية كلها أو في بعض أجزائها بناءً على خلافٍ في القراءة أو اختلاف في التأويل، ثم يعقِّب على كل ذلك بالترجيح بين الروايات واختيار أولاها بالتقدمة، وأحقها بالإيثار، ثم ينتقل إلى آية أخرى فينهج نفس النهج: عارضًا ثم ناقدًا ثم مرجِّحًا".
"وهو إذ ينقد أو يرجِّح يردُّ النقد أو الترجيح إلى مقاييس تاريخية من حال رجال السند في القوة والضعف، أو إلى مقاييس علمية وفنية: من الاحتكام إلى اللغة التي نزل بها الكتاب، نصوصها وأقوال شعرائها، ومن نقد القراءة وتوثيقها أو تضعيفها، ومن رجوع إلى ما تقرر بين العلماء من أصول العقائد، أو أصول الأحكام أو غيرهما من ضروب المعارف التي أحاط بها ابن جرير، وجمع فيها مادة لم تجتمع لكثير من غيره من كبار علماء عصره" [1] .
وبعد ما سبق ذكره سلفًا فهذا ما أردت التنبيه عليه من منهج الطبري رحمه الله في تفسيره وقد بينها بعد توفيق الله مقرونًا بأمثلة من كتابه رحمه الله والله تعالى اعلا وأعلام.
المطلب الثالث:
أهمية كتابه وأثره العلمي والثناء عليه:
(1) - مقدمة تفسير الطبري الطبعة الثالثة لمحمد محمود الحلبي (1/ 4) .