الصفحة 21 من 44

المطلب الرابع

محنته وما تعرض له من قدح في عقيدته

إن التعصب من الأمراض المزمنة التي ضربت جسد الأمة الإسلامية، وهو داء موروث من أيام الجاهلية الأولى، قد ذر قرنه الحاد في جنبات الأمة، وأخذ أشكالًا عديدة أشدها التعصب المذهبي، والذي تسبب في إشعال نار صراعات كثيرة بين أتباع المذاهب الفقهية، وفي أوج هذه الصراعات المقيتة راح العديد من فطاحل علماء الأمة، والإمام الطبري واحد من هؤلاء الأعلام.

ولقد تعرض الإمام ابن جرير لهذه المحن التي أدت إلى أتهامه بالتشيع واعتناق المذهب الرافضي ولقد نال الإمام الطبري في حياته محنتان:

المحنة الكبرى، وهي محنة مجلس الجمعة، وذلك حين تألّب عليه أعداؤه من بعض المحدثين والحاقدين الذين أثاروا عليه العامة وجماعة من الحنابلة الحاقدين عليه، لأنه كان يرفض الاعتماد على الإمام أحمد بن حنبل فيما يورده في بعض رواياته، لأنه في نظره محدّث، وليس بصاحب مذهب متميزّ بين المذاهب الإسلامية.

والغريب العجيب حقًا، كما أورد يا قوت خبره في معجمه المعروف نقلًا عن غير الخطيب أنه"دفن ليلًا خوفًا من العامّة لأنه كأن يتهم بالتشيّع". واستطرد ياقوت قائلًا نقلًا عن الخطيب:"ولم يُؤذّن به أحد، فاجتمع على جنازته من لا يُحصى عددهم إلاّ اللّه، وصلّي على قبره عدة شهور ليلًا ونهارًا، ورثاه خلق عظيم من أهل الدين والأدب [1] ."

ويبدو أن الحاقدين عليه كانوا من جماعة من المحدّثين الذين لم يستطيعوا مناظرته، وإنما كان يردُّ عليهم وينبّههم إلى ما هو غير صحيح، بالإضافة إلى خصومه من الحنابلة الذين لم يكونوا يستطيعون الوقوف أمامه في محجّة المناظرة الجدلية والمناقشة العلنية.

ولقد أفلح هؤلاء جميعًا في الإساءة إليه يوم وفاته، فمنعوا أفواج الناس وجموعهم من تشييعه ودفنه في وضح النهار، وهكذا آثر جماعته ومريدوه دفنه في منزله خوفًا عليه من أعدائه فينبشون قبره، وهو ميت بعد محنته الكبرى، وهو حيّ.

ولقد صف ابن كثير محنة الطبريّ وما حل به في ساعاته الأخيرة مشيرًا إلى أعدائه من عوّام الحنابلة، ومن عوامّ الجهلة الذين رموه بالإلحاد بقوله [2] :

(1) - معجم الأدباء (6/ 2441)

(2) - البداية والنهاية (11/ 197) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت