"ودُفِن في داره، لأن بعض عوامّ الحنابلة، ورعاعهم، منعوا من دفنه نهارًا، ونسبوه إلى الرفض، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد ... بل كان أحد أئمة الإسلام علمًا وعملًا بكتاب اللّه وسنّة رسوله".
وكان على رأس هؤلاء الحاقدين عليه الفقيه الظاهريّ أبو بكر محمد بن داود، فقد"كان يتكلّم فيه، ويرميه بالعظائم" [1] .
كانت هذه المحنة الكبرى، محنة الطبريّ المظلوم نصرًا لسلطان العلم والفكر وغرسًا أغرَّ لحرية العقيدة والرأي، وتنديدًا بالتعصب المذهبّي الأعمى، ولاسيما على هذه الصفوة من آل البيت، ذلك لأنه انتصر لهم، وآزرهم ووقف في صفهم مدافعًا عنهم، فلقي محنته الأولى.
ولقد مات رحمه الله تعالى ولم يحلل أو يسامح من إتهمه بما ليس فيه ولم يقترفه رحمه الله حيث كان يقول قبل وفاته كما نقله عنه أبو بكر بن كامل [2] : (حضرت أبا جعفر حين حضرته الوفاة، فسألته أن يجعل كلّ من عاداه في حلّ، فقال: كل من عاداني وتكلّم في حلٍّ، إلاّ رجلًا رماني ببدعة) [3] .
والمعروف عن الإمام الطبريّ أنه"كان إذا عرف من إنسان بدعةً أبعده واطّرحه". وهذا يوضحّ الظلم الكبير الذي لحق به من بعض الفقهاء الحاقدين عليه.
والغريب حقًا أن يمنع الحنابلة مريدي الإمام الطبريّ ومحبيّه من الفقهاء والعلماء والشداة من طلبة العلم من الأخذ والرواية عنه.
يقول أبو بكر الخطيب:"ولقد ظلمته الحنابلة [4] وقال ياقوت الحموي: نظرت فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة؛ قال: وكانت الحنابلة تمنع [منه] ولا تترك أحدا يسمع عليه [5] ".
وأنشد محمد بن جرير قائلًا:
إذا أعسرت لم أعلم رفيقي .. . وأستغني فيستغني صديقي
(1) - اشار إليه ابن كثير في المصدر السابق.
(2) - أحمد بن كامل بن شجرة القاضي البغدادي الحافظ يكنى بأبو بكر ورد ذكره وأقوال العلماء فيه في كتاب لسان الميزان (1/ 581) .
(3) - معجم الأدباء (18/ 48) .
(4) - تاريخ بغداد (2/ 548)
(5) - معجم الأدباء (2/ 362) .