الصفحة 23 من 44

حيائي حافظ لي ماء وجهي .. . ورفقي في مطالبتي رفيقي

ولو أني سمحت ببذل وجهي .. . لكنت إلى الغنى سهل الطريق

وأما محنته الثانية رحمه الله تعالى فكانت بسبب غدير الفقهاء وليس غدير الفقهاء اسم كتاب بعينه من كتبه الكثيرة، وإنما هو في حقيقة الأصل إشارة إلى كتابين كانا مصدر محنتين للطبريّ لا محنة واحدة وهما: كتابه (أحاديث غديرخمّ) و كتابه (اختلاف الفقهاء) ومن المفيد في هذا البحث الإشارة إلى أحد هذين الكتابان لأنهما يوضّحان آراء الطبري، ويمثّلان شجاعة الطبري في دفاعه المستميت عن الحق، وإيمانه بالحرية الفكرية في العقيدة والمذهب والرأي في منظور الشرع ومنطقه الإيمانيّ في المأثور المنقول والقياس المشروع.

ولقد كان رحمه الله مؤمنًا كل الإيمان بالعقيدة المطهّرة والملّة السمحة التي جاءت رحمة للعالمين أجمعين ومن هذا المنطلق كان الإمام الطبريّ يدحض آراء المتعصبين من بعض العلماء الذين يحاولون طمس الحقائق الدينية بسبب الخلافات المذهبية والنزعات الدينية التي لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، فلا غرابة بعد هذا كله إن رأينا أن هذين الكتابين كانا مصدر محنتين: محنة في حياته كما رأينا ومحنة في مماته، لأنه وهو الإمام المؤمن كان يؤمن بالتسامح الديني وكان يقدس حرية الفكر المذهبي ضمن حدود الشرع الحنيف والإسلام السمح.

أما غديرخم وهو الذي سنتناوله في هذا البحث فالأصل انها مكان ما بين مكة والمدينة عند منطقة الجحفة بها غدير على بعد ثلاثة أميال من الجحغة لا يجف ماء المطر منه [1] ولقد كان سبب المحنة في أحاديث غدير خم هو رد أبن جرير ودافعه عن الصحابي الجليل الخليفة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في بعض المناسبات والمواقف التي ورد ذكره فيها، كما دافع بشكل عام عن آل البيت، ودافع عن حقوقهم بكل صراحة وجرأة، وممّا لاشك فيه أن ذوي السلطان كانوا يضطهدونهم ويتعصبون عليهم، ويحرّضون بعض العلماء للتنقّص من قدرهم، بَيْد أن الجمهرة من العلماء المنصفين العُدول ردُّوا عليهم هذه المطاعن المغرضة، وكان الطبري القدوة المثل في الدفاع عن حقِّهم وتثبيت أركانه، ودحض مفتريات هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم لشتم آل البيت تقرّبًا وزلفى لذوي السلطان، وتقربًا من الذين بيدهم مقاليد الأمور والحكم.

ولقد أخذ الطبري رحمه الله على عاتقه دراسة الأحاديث الواردة في فضل على - رضي الله عنه - وآل بيت النبى صلى الله عليه وسلم وبخاصة حديث (( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ) [2] ولقد ذكر المقريزي هذه

(1) - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (1/ 146) .

(2) - أخرجه الترمذي (5/ 3718) ، والحاكم (3/ 130) ، وقال أبو عيسى: حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الذهبي: ما خرج مسلم لأبي ربيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت