المطلب الثاني
منهجه في التفسير
أقول مستعينًا بالله أن الإمام الطبري رحمه الله اشتهر بأنه إمام المفسرين؛ لأنه ألف كتابه المشهور في التفسير، وتفسير الطبري من أنواع التفسير بالمأثور، وهو أسلم أنواع التفسير وأقربه إلى الحق؛ لأنه نقول عن السلف؛ أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة والتابعين، وكان رحمه الله صاحب منهج خاص في كتابه هذا يختلف عن مناهج أهل العلم في التفسير فبدأ الطبري رحمه الله بكتابة هذا التفسير وقال في المقدمة: فإن من قسيم ما خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الفضيلة، وشرفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة، وحباهم به من الكرامة السنية، حفظه ما حفظ جل ذكره وتقدست أسماؤه عليهم من وحيه وتنزيله. حفظه الله عز وجل وجعله دلالة على صدق نبوته - صلى الله عليه وسلم -، وعلى ما خصه به من الكرامة علامة واضحة، وحجة بالغة .. إلى أن قال: فجعله لهم في دجا الظلام نورًا ساطعة، وفي سدف الشبه شهابًا لامعًا، وفي مضلة المسالك دليلًا هاديًا، وإلى سبيل النجاة والحق حاديا [1] ، (( يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ) [2] ولقد بَيَّنَ رحمه الله أهمية مكانة القرآن في المقدمة وأهمية التفسير ولقد انتهج رحمه الله في تفسيره للآيات منهج أطلقت عليه (التجزئة والتحليل النصي) حيث كان رحمه الله يقوم بتجزئة الآية المراد تفسيرها إلى أجزاء، فيفسرها جملة جملة، ويعمدُ إلى تفسير هذه الجملة، فيذكر المعنى الجملي لها بعدها، أو يذكره أثناء ترجيحه إن كان هناك خلاف في تفسيرها فإن لم يكن عليها خلاف فسرها تفسيرًا جميلًا ثم قال: وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل [3] وإذا وجد ثمة خلاف نص رحمه الله علي وجوده وقال: واختلفَ أهلُ التَّأويلِ في تأويلِ ذلكَ، فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا فيه [4] وقد يذكر رحمه الله الأختلاف بعد المقطع المفسر ثم يذكر التفسير الجملي أثناء ترجيحه.
وقد أعتاد رحمه الله أن يترجم لكل قول بقوله فقال بعضهم ... .، ثم يقول: ذكر من قال ذلك، ثم يذكر أقوالهم مسندًا إليهم بما وصله عنهم من أسانيد، ثم يقول: وقال غيرهم، وقال آخرون ... ، ثم يذكر أقوالهم، فإذا انتهى من عرض أقوالهم، رجح ما يراه صوابا، وغالبا ما تكون عبارته: قال أبو
(1) - مقدمة تفسير الطبري (1/ 5) .
(2) - سورة المائدة (16) .
(3) - تفسير الطبري بتعدد مواقعها وعلى سبيل المثال (2/ 26) ، (3/ 98) وغيرها.
(4) - تفسير الطبري بتعدد مواقعها وعلى سبيل المثال (22/ 462) ، (23/ 662) وغيرها.