ثم الأرتحال في طلب العلم ولقد تتلمذ رحمه الله علي يد كل من محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وأحمد بن منيع البغوي، ومحمد بن حميد الرازي، وأبو همام الوليد بن شجاع، وأبو كريب محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وأبوسعيد الأشج، وعمرو بن علي، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، وخلق كثير نحوهم من أهل العراق والشام ومصر [1] وغيرها من البلاد وكان لا يرضيه أن يجهل علما يستيطع الاحاطة به، ولا يرضيه أن يسأله أحد عن علم موصول بثقافته وهو لا يعرفه، حدث عن معرفته بعلم العروض فقال: جاءني يوما رجل، فسألني عن شيء من العروض، ولم أكن نشطت له قبل ذلك، فقلت له: إذا كان غدا فتعال إليّ، وطلبت من صديق لي العروض للخليل بن أحمد، فجاء به، فنظرت فيه ليلتي، فأمسيت غير عروضي، وأصبحت عروضيا.
وكانت شهرته سببا في أن يسأله الناس، وباعثا له على الاطلاع والاستزادة، فهو يتحدث بأنه لما دخل مصر لم يبق أحد من أهل العلم إلا لقيه وامتحنه في العلم [2]
وقد استقر به الحال في بغداد فجلس للتدريس والتأليف وعزف عن الحياة العامة ورفض أن يتولى أية مناصب حكومية أمعانا في الانقطاع للعلم والكتابة وزهدا في حياة الحكم والسياسة? فقد عرضوا عليه في القضاء فرفض وعرضوا عليه المظالم فرفض أيضا حتى عاتبه أصحابه في ذلك وقد نزل برحبة يعقوب في بغداد وعكف على العبادة والقراءة الإملاء والتصنيف حتى قيل فيه: كان كالقارئ لا يعرف إلا القرآن? وكالمحدث لا يعرف إلا الحديث? وكالنحوي لا يعرف إلا النحو? وكالحاسب لا يعرف إلا الحساب? فلقد كان عالما بالعبادات عالما جامعا للعلوم? وإذا جمعت كتبه وكتب غيره وجدت لكتبه فضلا على غيرها [3] .
ولقد نقل عن ابن جرير ذكر لقصته في طلب العلم فقال: كنا نكتب عند محمد بن حميد الرازي فيخرج إلينا في الليل مرات، ويسألنا عم كتبناه ويقرؤه علينا، وكنا نمضي إلى أحمد بن حماد الدولابي، وكان في قرية من قرى الري، بينها وبين الري قطعة نأتي إلى الشيخ محمد بن حميد الرازي نجلس عنده، ثم نمضي إلى الدولابي، وإذا انتهينا من درس الدولابي؛ يكون قد حان موعد درس الرازي وبينهما مسافة -أي: قريتين- قال: ثم نغدو كالمجانين حتى نصير إلى ابن حميد فنلحق مجلسه نغدو كالمجانين -أي: من السرعة في العدو للحاق بدرس الشيخ، فمن شيخ في قرية، إلى شيخ في قرية، ثم العودة إلى الشيخ الأول بهذه السرعة، كل ذلك ينم عن وجود دافع قوي للتحصيل؛ حتى أن الواحد
(1) - تاريخ بغداد (2/ 548) .
(2) - معجم الأدباء (18/ 56) .
(3) - تاريخ الملوك والأمم للطبري (1/ 15 - 16) .