يؤكد هذا النص المستشهد به أهمية هذا الكتاب الذي انتشر بين الناس، وطُلب منه ليطلعوا على آرائه ودقائق نظراته في قضايا ذات أهمية في فهم أحكام شرائع الإسلام، ومن المفيد أن نورده، وقد استشهد به ياقوت في معرض تعداد آثاره، وعلّق عليه بقوله"ومنها كتابه المشهور بالفضل، شرقًا وغربًا، والمسمّى بـ (كتاب اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام) [1] قصد به إلى ذكر أقوال الفقهاء."
ولقد كان الطبريّ في نظر معظم العلماء والناس إمامًا مجتهدًا عَدْلًا، أُوتي من سعة العلم، وصواب الرأي، ونفاذ الرأي، ولاأشك أن أحدًا من أعدائه أو أصدقائه من ينكر عليه عبقريته في مؤلفاته عامة ومؤلفيه الموسوعيين المشهورين في تفسيره وتاريخه وغير هما خاصة أو ينتقصهما، ويكفي أن نطّلع على ما كتبه من ترجموا له وتحدّثوا عن حياته وآثاره وآرائه.
هذه العقلية الاجتهادية المتفتّحة في فهم الأحكام الدينية والفقهية وتدبّرها، وثورته على الجمود الفكريّ والانغلاق العقليّ، ذلك لأنه كان يعتمد على الاجتهاد والعقل فيما يوافق العقيدة والنص والنقل، وهذا المنهج جعل بعض الفقهاء من الحنابلة وبعض المحدثين يترصدونه في مجالسه العلمية، ويوقعون به، ويوغرون عليه العامة من الناس، فيهاجمونه من مجلسه العلمي، ويرجمون داره.
يختلف الفقهاء والعلماء في كل زمان ومكان، واختلاف الأئمة رحمة كما هو معروف، والغريب حقًا أن يؤدي هذا الخلاف في وجهات النظر إلى استثارة العامة، ويحتاج صاحب الشرطة نازوك إلى عشرات الألوف من الجند ليحمي هذا الإمام العالم وهذا الإنسان المؤمن.
وآخر هذه الأمور أن هذا النص يؤكد أن الإمام الطبري كان مسامحًا لا يفرّق بين المذاهب الإسلامية وطوائفها، فقد انتصر لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حين تعرّض بعضهم - كما رأينا -لأحاديث الغدير، وعلّل بعضهم ذلك لتشيّعه وانتصاره لآل البيت.
ومما سبق ذكره يدل دلالة واضحة على ما تعرض له إمامنا الجليل رحمه الله من المحن في حياته وبعد مماته رحمه الله تعالي وليس ذلك خاصًا به بل هو دأب الصالحين من السلف والخلف فرحم الله الجميع رحمةً واسعة وأسكنهم فسيح جناته وبهذا نكون قد أنتهينا من المبحث الأول والله تعالي أعلم.
(1) - معجم ا?دباء (6/ 2457) .