ولما سمع ذلك الإمام الطبري بداء في الحديث علي فضائل الإمام علي - رضي الله عنه - وتوضيح طرق حديث غدير خم ومدي صحتها ولقد اشار إلى ذلك يقوت الحموي في معجمه [1] .
وهذا ان دل على شيئ فإنما يدل على شجاعة الطبري رحمه الله في الدفاع عن الحق ونصرة أهله والتفاف الناس حوله للاستماع، وهذا مما أثار حقد أعدائه من الحاقدين و الشائنين من بعض العلماء المعاصرين. يضاف إلى ذلك أن الذهبّي قد روى الحديث نفسه والحدث ذاته، بقوله:"قيل لابن جرير: إنّ أبابكر بن أبي داود يُمْلي في مناقب علّي، فقال: تكبيرة من حارس، وقد وقع بين ابن جرير وبين ابن أبي داود، وكان كل منهما لا ينصف الآخر، وكانت الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود، فكثروا وشنّعوا على ابن جرير، وناله أذىً، ولزم بيته، نعوذ بالله من الهوى [2] "
ومن هذا الخلاف الشخصي بين هذين الإمامين كان جماعة الحنابلة يهاجمون الطبريّ، ويبدو أن المعاصرة حجاب وحجاز في كل زمان ومكان، ونكرر دعاء الذهبي: (نعوذ بالله من الهوى) فيما نقول ونفعل.
ولم يصلنا هذا الكتاب، على الرغم من شهرته الواسعة، كما تكرر ذكره في كتب التراجم المعتمدة، ويتضح من تواتر رواياته في كتب الأصول وغيرها، أن الطبريّ كان على حقٍ حين خصّ أحاديث الغدير بكتاب مستقل، وضبطها صحة وتواترًا، وتوثيقًا وتحقيقًا في الرواية والدراية.
وأما كتاب اختلاف الفقهاء فنختصر القول عنه بأن ما بلغه الإمام الطبري من سعة العلم والفقه جعله عالمًا متفرّدًا مجتهدًا، و"له مذهب في الفقه اختاره لنفسه وله في ذلك عدّة كُتب" [3] ، ولم يكن ليعتمد على النقل فحسب، وإنما كان يعتمد على العقل فيعمد إلى الاجتهاد، لأنه كان يتمتع بشخصية فريدة اتسمت بالموضوعية والعلمية والبعد عن التعصب الأعمى الذي كان معروفًا عند بعض العلماء في القرن الثالث الهجري في العصر العباسي ولقد كان هذان الكتابان عامة، والثاني منهما خاصة مصدر محنة الطبريّ كما أطلق الطبري على هذا الكتاب الأخير اسم (اختلاف الفقهاء) .
ولما ذاع صيت هذا الكتاب أورد ياقوت خبر هذا الكتاب في قوله:"وكان أول ما عمل هذا الكتاب - على ما سمعته يقول_ وقد سأله عن ذلك أبو عبد الله أحمد بن عيسى الرازي: إنما يحمله ليتذكر به أقوال من يناظره، ثم انتشر، وطلب منه، فقرأه على أصحابه" [4] .
(1) - معجم الأدباء (74/ 18) .
(2) - سير أع?م النب?ء (14/ 277) .
(3) - الفهرست ?بن النديم (ص 491) .
(4) - معجم ا?دباء (18/ 17 - 72) .