الرواية لانتفاء التهمة فيها إذ لا تتعلق بحقّ معيّن)، [1] قال في المبسوط: (فيه معنى طمأنينة القلب، وذلك عند إخبار العدد أظهر منه في خبر الواحد، وفي الشهادة محض الإلزام وخبر الواحد لا يكفي لذلك بخلاف الديانات؛ فإن في الديانات التزام السامع باعتقاده والمخبر يلزم نفسه، ثم يتعدى إلى غيره فلم يكن ذلك إلزاما محضًا؛ فلهذا لا يشترط فيه العدد بخلاف الشهادة، وفيه معنى التوكيد، فالتزوير والتلبيس في الخصومات يكثر؛ فيشترط العدد في الشهادات صيانة للحقوق المعصومة) . [2]
ومن هذه الحكم العظيمة لم يكتفِ بالعدد للحقوق والحدود جملة؛ بل جعل لكل حق وحد ما يناسبه، يقول ابن حزم [3] في بيان ذلك: (أمر الله تعالى في الزنى بقبول أربعة, وفي الديون المؤجلة برجلين, أو رجل وامرأتين, وفي الوصية في السفر باثنين من المسلمين, أو باثنين من غير المسلمين يحلفان مع شهادتهما, وفي الطلاق والرجعة بذوي عدل منا) ، [4] ويبين جانبًا من حكمة هذا الاختلاف في أنصبة الشهادة ابن تيمية فيقول: (لما ذكر الله في آية الدين رجلين أو رجلًا وامرأتين، وفي الرجعة رجلين أقروا كلًا منهما على حاله؛ لأن سبب الحكم مختلف؛ وهو المال والبضع، واختلاف السبب يؤثر في نصاب الشهادة، وكما في إقامة الحد في الفاحشة وفي القذف بها، اعتبر فيه أربعة شهداء، فلا يقاس بذلك عقود الأيمان والأبضاع) . [5]
ومما سبق تقرر بعض الحكم من تحديد نصاب الشهادة، واختلاف هذه الأنصبة بحسب الحقوق والمعاملات أو العقوبات؛ فما هي أنصبة الشهادة في القرآن الكريم؟ سنتناول هذا المبحث من خلال خمسة مطالب:
(1) . التحرير والتنوير 3/ 108.
(2) . المبسوط 19/ 123.
(3) . علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الأندلسي، فقيه وشاعر ومتكلم، ولد في مدينة قرطبة سنة 384 هـ، له كتاب المحلى بالآثار، والملل والنحل وغيرهما، توفي سنة 456 هـ، ترجمته في: سير أعلام النبلاء 18/ 184، والبداية والنهاية 12/ 91 - 92.
(4) . المحلى لابن حزم 9/ 239.
(5) . مجموع فتاوى ابن تيمية 3/ 361.