الصفحة 38 من 53

(إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) : أي (إذا قارب الحضور، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت؛ وهذا كقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ، [1] وكقوله: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ، [2] ومثله كثير) . [3]

(حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) : (بين أنه أراد رجلين لأنه لفظ لا يصلح إلا للمذكر ... التقدير: شهادة بينكم في وصاياكم شهادة اثنين) . [4]

(أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) : أو شهادة آخرين من غيركم، وغيركم صفة لآخرين، وهو الموضع المشكل في هذه الآية، وللعلماء فيه ثلاثة أقوال:

القول الأول: أي من الكافرين؛ فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية، وهو الأشبه بسياق الآية، مع جاء في سبب نزولها من أحاديث، وقال به أبو موسى وابن مسعود وابن عباس، وهو قول أحمد.

القول الثاني: أي من الكافرين، لكن الآية منسوخة؛ بالآيات التي اشترطت العدالة؛ كما في سورة البقرة والطلاق، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي.

وأجيب من وجهين: الأول: أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولًا؛ حتى قال ابن عباس و الحسن وغيرهما: إنه لا منسوخ فيها، والثاني: أنه لا يحكم بالنسخ إلا عند عدم إمكان الجمع، والجمع هنا ممكن، بحمل الآية على حالة الضرورة؛ كحالة الوصية في السفر عند عدم وجود المسلمين.

القول الثالث: أي من غير عشيرتكم وقرابتكم، وهو قول الزهري والحسن وعكرمة، والأول أرجح. [5]

(إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ) : (هذا الشرط متعلق بالشهادة، والمعنى ليشهدكم اثنان إن أنتم ضربتم في الأرض، أي سافرتم؛(فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ) . [6]

دلالة الآية:

الوصية في اللغة مأخوذة من وصيّت الشيء بالشيء إذا وصلته به، وهي شرعًا: عقد يوجب حقًا في في ثلث عاقده، يلزم بموته، أو نيابة عنه بعده، [7] و (هذه الآية دلت على جواز قبول شهادة أهل الذمة

(1) . سورة النحل/98.

(2) . سورة الطلاق/1.

(3) . تفسير القرطبي 6/ 321.

(4) . المصدر السابق.

(5) . زاد المسير 2/ 270، وتفسير القرطبي 6/ 321.

(6) . زاد المسير 2/ 271.

(7) . حاشية الدسوقي 4/ 422.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت