ومن الأسف أن بعض الناس اعتاد على بعض العادات السيئة الدخيلة على شهر رمضان، والتي تتمثل في طريقة الإنفاق الاستهلاكي، وهي ليست من الإسلام. فعندما يأتي شهر رمضان نرى أن أغلبيةً من المسلمين يرصدون ميزانية أسرية أكبر بكثير إن لم تكن ضعف الميزانية في الأشهر العادية، تبدأ بمضاعفة استهلاكها. ويكون النهار صومًا وكسلًا، والليل طعامًا واستهلاكًا غير عادي.
إن الطعام الزائد في الليل وبإفراط يؤدي إلى فقدان الكثير من تلك الفوائد، بل قد ينعكس ذلك بشكل سلبي على صحة الإنسان، فإذا أكل كثيرًا في الليل يصبح كسلانًا بسبب تخمّر الطعام في جهازه الهضمي.
والنصيحة التي يمكن أن نوجهها إلى المسلمين هي عدم التفريط وعدم الإفراط في تناول الطعام في ليالي رمضان، والتزام الوسطية والاعتدال، ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلت بنا اليوم هي البطر والافراط في الاستهلاك، والتبذير والبعد عن الدين القيّم. قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [سورة النحل، الآية: 112] . وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم (القصص/ 76 - 83) ، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله.
فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية، والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذمًا كبيرًا، حيث وصف الله المبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالَم.
إن للصوم أبعادًا اقتصادية عظيمة، منها ما يدركها العقل البشري، كأثرِه على صحة الإنسان مثلًا، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه. فطوبى لمن اقتدى، في صيامه وقيامه بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.
إن من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل، ومشرب، وملبس، ومسكن ... إلخ من الضروريات، لصيانة دِينه، ونفْسه، ونسله، ولحفظ عقله وماله. كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان. وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي، وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدودًا لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.
إن الإنسان أهمّ بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيرًا، فالإنسان هو الذي يقرِّر مستوى رفاههِ ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكّنه أن يصبح ثريًا، وبإمكانه إنْ كان نَهِمَ الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.