وبعد أن كان علماء الاقتصاد مُصرين على أن الدولة وسياساتها هي العنصر الأهم في العملية الإنتاجية عادوا ليقرروا أن المستهلك والمنتج هم أسيادُ اللُّعبة. فيوم يُربي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى إنتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.
وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبيًا على المجتمعات الغربية، التي جعلت من الحرية المطلقة بلا ضوابط إلهًا يُعْبَدُ من دون الله. فلقد كان هناك من يعتبر هذا النمط من التربية إعتداءً غير مبرّر على حق المستهلك في أن يستهلك ما يشاء، وقت ما يشاء، وكيفما يشاء. ولكن اكتشفت العديد من المجتمعات أن تدليل المستهلك إلى هذا الحد باهظ الثمن، وأنها إذا استطاعت أن تلبيه اليوم، فقد لا تستطيع ذلك في الغد.
ولذلك عادت مفردات التدبير والتوفير، وحسن التصرف في المال تشق طريقها إلى الدراسات الاقتصادية الحديثة.
ووجدنا من الاقتصاديين من يقول: لقد تحدثنا كثيرًا عن قوانين الاقتصاد، ورسمنا المزيد من المنحنيات والمعادلات، ولكننا نسينا المتغير الأكبر الذي يقرّر صلاحية أو عدم صلاحية كل ما تحدثنا عنه وتوقعناه وهو الإنسان.
إن رمضان هو محاولة لصياغة نمط استهلاكي رشيد، وعملية تدريب مكثّفة تستغرق شهرًا واحدًا تفهم الإنسان أن بإمكانه أن يعيش بإلغاء استهلاك بعض المفردات في حياته اليومية، ولساعات طويلة كل يوم. وإنه محاولة تربوية لكسر"النهم الاستهلاكي"الذي أجمعَ علماء النفْس المعاصرون أنه حالة مرضية، وأن مجال علاجه في علم النفس وليس في علم الاقتصاد. وإن كان يصيب بتأثيراته أوضاع الاقتصاد وأحواله.
إن رمضان مناسبة للمسلمين ليتذكروا بأن الجسد والعقل يعملان بكفاءة تامة خلال ساعات الصوم، وإن إمكان تحمّل الجوع والعطش لفترات طويلة، والبقاء في حالة ذهنية أكثر صفاءً وحالة جسدية أكثر انتعاشًا وخفة، أمرٌ وارد ومشاهد.
وهذا الاكتشافُ الذي يتكرر مع كل قدوم للشهر المبارك هو الخلاص من الوقوع في الديانة الاستهلاكية التي أُصيبت بها بعض المجتمعات، والتي أصبح فيها السوبر ماركت هي أماكن عبادتها الجديدة، على حد تعبير الدكتور جمال حمدان في مؤلفه"مصر .. دراسة في عبقرية المكان".
وفي الختام نود أن نؤكد حقيقة مُسلَّمةً أنه لابدّ من بناء الإنسان المستهلك باعتدال.