ونحن إذ نبتدر هذا القول الحكيم في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} نطمئن معه إلى قول مَنْ قال بأن أول من بنى هذا البيت هم ملائكة الرحمن، ذلك لأن لفظ (الناس) يطلق على آدم وذريته، ومعنى ذلك أن هذا البيت العتيق وضع قبل أو مع أول الناس في الأرض وهو آدم عليه السلام.
وقيل إن هذه الآية جاءت ردًا من الله على اليهود، حين قالوا أن بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة، لكونه في الأرض المقدسة ومهبط الأنبياء.
فَبَيَّنَ الله سبحانه بهذه الآية أن البيت الحرام بمكة المكرمة (البيت العتيق) ، منبهًا لهم وللناس جميعًا بأن هذا أول بيت وضع للناس، وأشرف بيت جعل للعبادة {وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ} ..
في ظلال قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [سورة البقرة، الآية: 197] .
يقول القرطبي رحمه الله في كتابه"الجامع لأحكام القرآن": قوله سبحانه (وَتَزَوَّدُوا) أمر باتخاذ الزاد. قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد: نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا؟، فكانوا يبقون عالة على الناس، فنُهوا عن ذلك وأمروا بالزاد"."
وقال ابن العربي: أمَرَ الله تعالى بالتزوّد لمن كان له مال ومن لم يكن له مال، فقد خاطب الله أهل الأموال الذين كانوا يتركون أموالهم ويخرجون بغير زاد ويقولون نحن المتوكلون، ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه، أن هذه الآية نزلت في ناس من اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون نحن متوكلون بحج بيت الله، أفلا يطعمنا؟ فيتوصلون بالناس وربما ظلموا وغصبوا فأمروا بالتزود وألا يظلموا ويكونوا كلاًّ على الناس.
يقول أبو حيان في كتابه"البحر المحيط": فعلى ما روي من سبب النزول لهذه الآية، يكون أمرًا بالتزود في الأسفار الدنيوية، والذي يدل عليه سياق ما قبل هذا الأمر وما بعده، وقيل: إن الأمر بالتزود هنا هو بتحصيل الأعمال الصالحة التي تكون للحاج كالزاد إلى سفره للآخرة.
وقيل: أمِرَ بالتزود لسفر العبادة والمعاش، وزاده الطعام والشراب والمركب والمال، وبالتزود لسفر المعاد، وزاده التقوى تقوى الله تعالى.
فنخلص من هذا كله إلى ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه أمر بالتزود في أسفار الدنيا.
الثاني: أنه أمر بالتزود لسفر الآخرة.
الثالث: أنه أمر بالتزود في السفرين، وهو الذي نختاره.