الصفحة 28 من 66

كما أنه مجرد استنتاج في ضوء فهم الطوائف اليهودية لما جاء في قصة الذبيح، ولا يوجد تحديد واضح في سفر التكوين ولا في الكتب التاريخية للموضع الذي كان عليه الهيكل.

كذلك فإن المدارس الدينية اليهودية - قديما - لم تتناول قضية الهيكل بأي شكل من الأشكال، علما بأن مختلف طوائف اليهود في الشتات، تعرضوا إلى غزو الثقافات المختلفة، وذلك منذ السبي البابلي، واختلاطهم بالشعوب الأخرى (المصريين، البابليين، الفرس، الحيثيين، اليونان، الرومان) ، وأنهم كانوا يحاكون الأمم الأخر في الطقوس والعادات والعقائد، وأسفار العهد القديم تغص بالشكوى من هذه الانحرافات [1] . وهذا يعني قبول التجمعات اليهودية والمدارس الدينية التي نشأت في رحمها بالغزو الفكري والاختراق، وأن فكرة وجود الهيكل والعودة من الشتات، فكرة مستحدثة، وليست أصيلة لديهم.

وعندما نستعرض رؤى أبرز المدارس الدينية اليهودية للهيكل وموضعه، لا نكاد نجد أي إشارة له في أدبياتها، بل اختلافات فكرية عميقة، وحتى جماعة الفريسيين، التي ظلت متمسكة بالتعاليم التوراتية، رغم أنها نشأت كرد فعل للتشتت اليهودي بعد الخراب الأول للهيكل عام (70 م) ، على يد القائد"تيطس"واشتهرت هذه الجماعة بحرفية الفهم للنصوص، ولكن لم يتبنوا أي موقف من الهيكل المحطم [2] . ونفس الأمر كانت عليه فرقة"الصدوقيين"التي تمسكت بالتعاليم التوراتية، مع مجاراة الواقع والاتصال بالوثنيين ومراعاة الأحوال الاقتصادية والسياسية [3] ، أي يكون اليهودي أكثر براغماتية في الحياة.

وهناك فرقة"الآسينيين"بالأسكندرية في مصر التي أوقفت حياة أتباعها على العبادة والرهبنة، ودعوا للذلة والمسكنة وقلة الكلام، أي الاكتفاء بوضع التابعية وترقب ظهور المسيح المخلص، والعيش في تقشف شديد، في حين ظهرت على النقيض منها فرقة"البصريين أو ذوي الرؤيا"التي تعلقت بالحياة المرتقبة في إسرائيل، وهذه تتحقق على يد الرب، الذي يقيم مجتمعا عادلا على الأرض عند العودة، وعلى اليهودي أن يتمسك بالصبر حتى يأتيه النصر من الرب [4] .

(1) راجع: المدارس الفكرية الدينية اليهودية، خلود مصطفى، بحث بمجلة"المحجة"، معهد المعارف الحكمية، بيروت، العدد (15) ، 1428 هـ، 2007 م، ص 12.

(2) السابق، ص 13.

(3) انظر: السابق، ص 14، 15.

(4) السابق، ص 19، 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت