فبالعودة إلى تاريخ القدس والمسجد الأقصى نجد أنه في عام 1109 م، وقعت القدس في قبضة الصليبيين، واستطاع الناصر صلاح الدين أن يحررها عام (583 هـ / 1187 م) ، ثم قامت صراعات محلية في بلاد الشام بعد حملات التتار أدت إلى تخريب القدس عام 1265 م، ولكن دولة المماليك التي حكمت مصر والشام، تمكنت من الحفاظ على القدس عربية إسلامية حتى مطلع القرن السادس الميلادي، وخاصة المحافظة على الأماكن المقدسة ببناء القلاع في ساحة المسجد الأقصى، والمدارس الإسلامية، وشبكات المياه العذبة، الأمر الذي أدى إلى زيادة عدد السكان العرب والمسلمين. ويذكر أن دولة المماليك استطاعت عبر حكامها الأقوياء أن تقضي على الخطر المغولي بدحر المغول في موقعة عين جالوت في الشام عام 658 هـ، ثم أنهوا بقايا الصليبين في بلاد الشام على يد الظاهر بيبرس ثم سيف الدين بن قلاوون، ثم ابنه الأشرف خليل بن قلاوون الذي أسقط مملكة عكا عام (690 هـ / 1291 م) [1] .
وقد استمر الحكم الإسلامي لفلسطين والقدس تحت سيادة دولة الخلافة العثمانية التي صانت فلسطين، واستمرت في رعاية المقدسات في القدس، وحمايتها من أطماع اليهود، منذ سيطرتهم على الشام عام 1516 م، حتى فرض الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1917 م. عموما استمر الحكم الإسلامي لفلسطين نحو 1200 سنة، وكان المسلمون مثالا في التسامح الديني وحماية المقدسات للأديان في القدس خاصة وسائر أنحاء فلسطين [2] .
لقد كانت القدس والمسجد الأقصى بالنسبة للدولة العثمانية يعنيان الكثير، لا لاعتبارات دينية فحسب، وإنما لاعتبارات استراتيجية وسياسية واقتصادية، فمن أجل ذلك شعرت الحركة الصهيونية باحتمال مقاومة السلطات العثمانية التي لم يكن أن تنظر بعين العطف إلى مجتمع غريب يقام على جزء مهم من أراضي الدولة العثمانية لإنشاء وطن يهودي [3] .
زار هرتزل الآستانة في يونيو عام 1896 م، واجتمع بالرجال المؤثرين في البلاط العثماني، وقد جاء حاملا عرضا مغريا للسلطان العثماني يتضمن: عشرين مليون ليرة تركية، منها مليونان
(1) فلسطين: دراسات منهجية في القضية الفلسطينية، د. محسن محمد صالح، منشورات: مركز الإعلام العربي، القاهرة، ط 1/ 1424 هـ، 2003 م، ص 24، 25.
(2) السابق، ص 25.
(3) انظر: موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية، م س، ص 118.