مقابل فلسطين، وبالثمانية عشرة ميلونا تتحرر تركيا من بعثة الحماية الأوروبية التي تتحكم في سياساتها المالية. ولكن جاء رد السلطان عبد الحميد الثاني صاعقا عليه، ووفقا لما ذكره هرتزل في مذكراته، قال السلطان:"لا أقدر أن أبيع قدما واحدا من البلاد، لأنها ليست لي بل لشعبي. لقد حصل أبناء شعبي على هذه الامبراطورية بإراقة دمائهم، وقد غذوها فيما بعد بدمائهم، وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا ... ، الامبراطورية التركية ليست لي، وإنما للشعب التركي (يقصد المسلمين الذين تحكمهم الخلافة) ، لا أستطيع أبدا أن أعطي أحدا أي جزء منها. ليحتفظ اليهود ببلايينهم، فإذا قسمت الامبراطورية، فقد يحصل اليهود على فلسطين دون مقابل، إنما لن تقسم إلا جثثنا، ولن أقبل بتشريحنا لأي غرض كان" [1] .
حاول هرتزل ثانية تغيير العرض، فحافظ على المبلغ المالي المعروض، في مقابل عدم حصول اليهود على دولة مستقلة في فلسطين، وإنما يصدر السلطان العثماني"دعوة كريمة إلى اليهود للعودة إلى أرض آبائهم، وسيكون لهذه الدعوة قوة القانون، وتُبَلَّغ بها الدول مسبقا"ولكن السلطان أصر على الرفض التام [2] .
فلجأ هرتزل إلى طريق ملتو، من تحت الأرض، حيث تكونت جمعية الاستعمار اليهودي التي توسعت في شراء الأراضي بأساليب غير قانونية، معتمدة على شراء مساحات شاسعة من الإقطاعيين اللبنانيين، وبأسلوب الرشوة مع بعض موظفي الإدارة التركية في فلسطين كي يتغاضون عن عملية الشراء. وكانوا يتفاوضون مع عائلة لبنانية أرثوذكسية (من الروم) ، يمتلكون حوالي 3 % من أرض فلسطين، وهو ما يعادل زمام (97) قرية فلسطينية، وكان أفراد العائلة يعيشون في باريس، يضيعون أموالهم على موائد القمار، وتم الشراء بحوالي سبعة ملايين فرنك [3] . وهذا رد واضح على من يتهمون الفلسطينيين ببيع أراضيهم إلى اليهود مسبقا.
إن السلطان عبد الحميد الثاني كان يميز بين اليهود والصهاينة، فقد عامل اليهود معاملة حسنة وأنعم على زعماء طوائفها في مصر بالأوسمة، بينما كان شديد الحذر من الصهاينة، وهذا نابع من فهمه للإسلام الذي يعدل بين أهل الكتاب، إلا أن اليهود في الدولة العثمانية كانوا شديدي
(1) المرجع السابق، ص 122. وفقا لما ذكره هرتزل في يومياته.
(2) المرجع السابق، ص 123.
(3) موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية، ص 124.