ونقرأ في هذا الخبر كذلك فتح الله بالأمّ وابنها -مرة ثانية- حين أتى المسلمين بسببهما السرور والحبور وأذهب بهما عنهم الهمّ والغمّ وتسلط أهل الكفر والفجور، فبطل سحر يهود وما كانوا يزعمون.
وهكذا كانت هذه الأم وابنها كريمين على أهل الإسلام حبيبين إلى أهله وما زادتهما الأيام ثمّ السنون بمرورها وتتابعها إلا كرامةً وحبًّا.
عاش عبد الله في كنف أمّه أسماء تربّيه وترعاه وتسقيه الخير وتغذّيه به، حتى نشأ وترعرع وشبّ وكبر يحمل المعاني الإسلاميّة الصّافية، والقيم الرفيعة، والخلال الحميدة، عن أمه وأبيه وجدّه لأمّه أبي بكر الصدّيق وخالته عائشة أمّ المؤمنين وجدّته صفية، وقبل أولئك جميعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتخرّج ابن الزبير عالمًا عابدًا فقيهًا ورعًا، مهيبًا وقورًا، كثير الصيام والصّلاة، شديد الخشوع قوىَّ السياسة، كما يستقرئ ابن كثير من أخباره [1] .
وهكذا كان لأسماء -ومعها هؤلاء العظماء- أثر قويّ في علم وتربية ابن الزبير رضي الله عنهم أجمعين.
ولنضرب لذلك مثلًا يخبر عما وراءه، لقد كانت أسماء رضي الله عنها قانتة عابدة، وعنها ورث ابن الزبير ذلك، فقد كان رضي الله عنه مع مُلكه صِنفًا في العبادة [2] ، نسيج وحده، روى أبو نعيم في الحلية أن ابنها دخل عليها ذات يوم وهي تُصلى فسمعها تقرأ هذه الآية: {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27] ، فبكت واستعاذت، فقام وهي تستعيذ، فلما طال عليه قيامها أتى السوق وقضى منه حاجته، ثم رجع فوجدها ما تزال في بكائها تستعيذ [3] .
وهكذا كانت تربية أسماء لعبد الله تربية عمليّة ليست تربية وعظيّة أو قوليّة فحسب، من ثمّ كان ابنها عبد الله في كلّ مجال ورثه عنها - وعن آبائه وشيوخه - مثلًا وقدوة، حتى قال عنه ابن عباس - رضي الله عنهما: كان ابن الزبير قارئًا لكتاب الله، متبعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قانتًا لله، صائمًا في الهواجر من مخافة الله، ابن حواريّ رسول الله صلى
(1) البداية والنهاية (11/ 204) .
(2) سير أعلام النبلاء (3/ 368) .
(3) الحلية (2/ 55) .