فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 51

والاتِّصالَ والسِّياسةَ والفِكْرَ والتَّربيةَ، والاجتماعَ والأيديولُوجيا [1] . يقولُ الدكتور جلال أمين:"وهناك مَنْ يَكْرَهُ العَولَمَةَ لا لسببٍ اقتصاديٍّ، بَلْ لسببٍ دينيٍّ. فالعولمةُ آتيةٌ مِنْ مراكِزَ دِينُها غيرُ دِينِنَا، بَلْ هي قَدْ تنكَّرَتْ للأديانِ كُلِّهَا، وآمنتْ بالعَلمانيَّةِ التي لا تختلفُ كثيرًا في نظرِ هؤلاءِ عَنْ الكُفْرِ، ومِنْ ثمَّ فَفَتْحُ الأبوابِ أمامَ العَولمةِ هُو فتحُ الأبوابِ أمامَ الكُفْرِ، والغَزْوُ هُنا في الأساسِ ليس غزوًا اقتصاديًا، بَلْ غَزوٌ مِنْ جَانِبِ فلسفةٍ للحياةِ مُعاديةً للدِّينِ، والهُويَّةُ الثَّقافِيَّةُ المُهدَّدةُ هُنا هي في الأسَاسِ دِيْنُ الأُمَّةِ وعقيدَتُها، وحمايةُ الهُويَّةِ معناها في الأساسِ الدِّفاعُ عَنْ الدِّيْنِ [2] ، وليستْ العَولمةُ انتقالًا مِنْ ظاهِرَةِ الثَّقافةِ الوَطنيَّةِ والقَوميَّةِ إلي ثَقافَةٍ عُليا جديدةٍ هي الثَّقافةُ العالميَّةُ، بل إنّها فعلُ اغتصابٍ ثقافيٍّ وعُدوانيٍّ رمزيٍّ علي سائِرِ الثَّقافَاتِ، خَاصَّةً ثقافَتنا العربيَّةَ والإسلاميَّةَ [3] ."

وبالرغم ممَّا سَبَقَ فَإنَّ مِنْ إيجابياتِ العولمةِ القَضَاءُ عَلَى الحَدَاثَةِ بمعناها المُعادِي لِكُلِّ ما هُو قديمٌ. وكذلك لا أحدٌ يستطيعُ أَنْ يُنْكِرَ التَّقدُّمَ العِلميَّ والتِّقنيَّ الرَّهيبَ الذي تَستخدمُهُ العَولمةُ فِي سبيلِ تحقيقِ أهدافِهَا المُعلنةِ والخَفيَّةِ، والتَّرويجِ لها، وتثبيتِ أركانِهَا، فَمِن المُمكنِ استخدامُ هذه التّقنيةِ نفسِهَا لِمُقاومَةِ العَولمةِ أَوْ لِنَشْرِ عولمةٍ مُضادَّةٍ. ومن المَسائِلِ المُتَّفقِ حَولهَا أنَّ العُقلاءَ مِن الأمَّةِ العربيَّةِ والإسْلاميَّةِ لا يرفُضونَ العولمةَ كاملةً؛ ففيها ما يُفيدُ البَشريَّةَ في مَنَاحِي كثيرةٍ، ولكنَّ الرَّفْضَ يكونُ لِجَوانِبِهَا السَّلبيَّةِ؛ وهي كثيرةٌ. وفِي هَذَا الشَّأْنِ ذَكَرَ خَادِمُ الحرمين الشَّريفين (صاحبُ السُّموِّ الملكي الأميرُ: عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني السعودي آنذاك) عندما سُئل عن موقفِ المملكةِ العربيَّةِ السُّعوديَّةِ مِن العولمةِ، حيثُ قالَ:"إنَّنا نُرحِّبُ بِعولمةِ التِّجارةِ وبِعولمةِ الاستثمارِ، ولكنَّنا نَرفضُ عولمةَ الفِكْرِ الفَاسِدِ، نَرفضُ عَولمةَ الانْحِرَافِ الذي يختفي تحتَ أسماءٍ برَّاقةٍ، وهذا لا يعني الجُمودَ في الحركةِ، فَصُدُورُنا وبيُوتُنا مفتوحةٌ لكُلِّ جديدٍ مُفيدٍ، ولكنَّها مُوصدةٌ فِي وَجْهِ الرِّياحِ التي تُحاوِلُ زَعْزَعَةَ مُعتقداتِنَا، وَخَلْخَلَةَ مُجْتمعَاتِنَا" [4] .

(1) عبد الجواد، ياسر، مقاربتان عربيتان للعولمة، المستقبل العربي عدد 252 شباط 2000 م (ص 2) .

(2) العدد 47، مجلة المعرفة،"العولمة هي «التكنولوجيا» "، وينظر: أمين، جلال، العولمة، دار الشروق، 2009 م، ط 2، القاهرة.

(3) ينظر: الوالي، عبد الجليل، العولمة بين الاختيار والرفض، المستقبل العربي ع 1 سنة 2000 (ص 58 - 67 و 53) .

(4) ضمن كلمة ألقاها في المجلس الأعلى الدورة (19) ديسمبر 1998 م بدولة الإمارات العربية، موقع وزارة الخارجية السعودية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت