فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 51

العربيَّةِ. وأنَّ أُمَّةً كاليابانِ قَدْ هُزِمَتْ بَعْدَ أَنْ فَقَدَتْ أَسلحَتَهَا وثَرواتِهَا وخِبراتِهَا، ولكنَّها بقيتْ فَقَطْ مُتمسِّكةً بلُغتِهَا الأُمِّ وبِتقاليدِهَا وثقافَتِهَا، وبِمُكوِّناتِ الهُويَّةِ الحقيقيَّةِ، هذه استطاعتْ أنْ تطفوَ مَرَّةً أُخرى، لا بَلْ وأَنْ تتصدَّرَ قائمةَ الأقوياءِ، فهم استطاعُوا أَنْ يُحافِظُوا على لُغتِهم القَوميَّةِ وتقاليدِهِمْ البسيطةِ، ولم يُغلِقُوا النَّوافِذَ أمامَ الثَّقافاتِ الأُخرى، واحتفظُوا بِحُرُوفِهِمْ وكَلماتِهِمْ، ولم يعتبرُوها عارًا أو تأخُّرًا، واستفادوا ممَّا عند الآخرين، ولكنَّهم لم ينبهرُوا فيُلقوا بالأسلحةِ التي بين أيديهم. نَحْنُ بحاجةٍ إلى أنْ نَتَعَلَّمَ مِنْ هَذَا الدَّرْسِ، نحنُ مُحتاجُون إلى أنَّ نتأمَّلَ مَفهومَ الخَسَارَةِ الكُبرى للشُّعوب عندمَا تتنازَلُ عن هُويَتِهَا، إنَّ الشَّعبَ يُستعبَدُ عندما يُسْلَبُ اللِّسانُ الذي تركه له الأجدادُ ليضيعَ للأبدِ [1] . وَفِي نهايةِ القَرْنِ الماضي أصدرتْ مُنظمةُ اليُونسكُو قائمةً بِاللُّغاتِ التي ماتَتْ خِلالَ قرنٍ، فكان منها (300) لُغةً، لكنَّ الأكثرَ فزعًا أنَّها أصدرتْ قائمةً باللُّغاتِ المُرشَّحةِ للمَوْتِ في القرنِ الجديدِ، وكانتْ مِنْ بينها العَرَبِيَّةُ. ومِنْ أجلِ التَّحقُّقِ مِنْ واَقعِ العربيَّةِ في عصرِ العولمةِ، ومَعْرِفَةِ المطلوبِ منَّا جميعًا للحِفَاظِ على مُستقبلِ اللُّغةِ العربيَّةِ جاءتْ هذه الدِّراسةُ.

اَلْمَطْلَبُ اَلأَوَّلُ: اَللُّغَةُ اَلْعَرَبِيَّةُ وَمَكَانَتُهَا وأهم خصائصها.

* اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ وَمَكَانَتُهَا: اللُّغةُ العربيَّةُ إحدى اللُّغاتِ السَّاميةِ، وهي الأقربُ إلى اللُّغةِ السَّاميةِ الأمِّ التي انبثقَتْ منها اللُّغاتُ السَّاميةُ الأُخرى. واللُّغةُ العربيَّةُ بسماتِها وخصائِصِهَا المُتفرِّدةِ في كثيرٍ من الأحيانِ كانتْ ولا تزالُ قادرةً على حملِ الرِّسالةِ، وتأديةِ الدَّورِ المنوطِ بها الذي قدَّرَ الله لها أَنْ تقومَ به، يقولُ ابن جني:"إنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةِ لُغَةُ نَبِيِّكَ التي فَضَّلَهَا الله - عز وجل - على سائِرِ اللُّغَاتِ، وفرعت بها فيه سامي الدَّرجَاتِ" [2] ،"وما مِنْ لُغَةٍ تستطيعُ أَنْ تُطَاوِلَ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ في شَرَفِهَا، فهي الوسيلةُ التي اُخْتِيْرَتْ لِتَحْمِلَ رِسَالَةَ اللهِ النِّهَائِيَّةِ، وليستْ مَنزلَتُها الرُّوحيةُ هي وَحْدَها التي تسمو بها على ما أودعَ اللهُ في سائِرِ اللُّغاتِ مِنْ قُوَّةٍ وبيانٍ، أمَّا السِّعَةُ فالأمْرُ فيها وَاضِحٌ، ومَنْ يَتْبَعُ جَمِيْعَ اللُّغَاتِ لا يَجِدُ فيها على ما سمعته لُغَةً تُضَاهِي اللغةَ العربيةَ" [3] . والعربيَّةُ لُغةُ القُرآنِ الكريمِ، وهو مُهيمنٌ على ما سِواهُ مِنْ الكُتبِ الأُخرى، وهذا يقتضِي أنْ تكونَ لُغتَهُ مُهيمنةً على ما سِواها من اللُّغاتِ الأُخرى. وهي لغةُ خاتمِ الأنبياءِ والمُرسلين؛ أرسلَهُ اللهُ للبشريَّةِ جمعاءَ، واختارَ اللهُ له اللُّغةَ العَربيَّةَ، وهذا يعني صَلاحيتَها لأنْ تكون لُغةَ البشريَّةِ جمعاءَ. قال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [4] ، وقال تعالى: وَهَذَا لِسَانٌ

(1) كما يرى الشاعر الصقلي إجنازيو بوتيتا المولود 1899 م.

(2) ابن جني، أبو الفتح، المحتسب (1/ 32) .

(3) ينظر: الجندي، أنور، الفصحى لغة القرآن، (ص 306) .

(4) سورة الشعراء، الآية (195) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت