فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 51

اللغة العربية وترويض العولمة

الحمدُ لله ربِّ العَالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خَيرِ مَنْ نَطَقَ بالضَّادِ، وَهَدَى البَشريَّةَ إلى سَبيلِ الرَّشادِ، سَيدِنَا وحَبيبِنَا وشفيعِنَا؛ مُحمَّدٍ بن عبد الله النبيِّ الأَمينِ، وعَلَى آله وأصحابِهِ أجمعين، ومَنْ سَارَ على نهجِهِ، عَلينا، وعليهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين ...

أمَّا بَعْدُ:

فإنَّ دِرَاسَةَ العَوْلَمَةِ وتأثيرِهَا عَلَى المُجتمعاتِ العالميَّةِ مِن الموضوعَاتِ ذَاتِ الزَّخَمِ البحثيِّ والإِعْلامِيِّ الكَبيرِ، فَالتَّطوُّرُ العِلمِيُّ والتّقنيُّ المُذْهِلُ الذي يَشهدُهُ القَرْنُ الحَادِي والعِشْرُون الميلاديُّ؛ لا يدعُ فُرصةً للتَّكاسُلِ أو الخُمولِ العِلْمِيِّ أو المَعْرِفِيِّ أو التَّراخِي الحَضَارِي، فَحضارَةُ العولمةِ الغَربيَّةِ لا تعرفُ الرَّحمةَ أو الصَّبْرَ، ولا الإيمانَ بما هُو مُقدَّسٌ أو موروثٌ، ثَقافةُ إمَّا مَعَنَا أَوْ ضِدُّنَا، وَلَقدْ فَرَضَتْ العَولمةُ تأثيراتِهَا عَلَى كُلِّ مَناحي الحياةِ العَصريَّة في العالمِ، الشُّعوبِ والحَضَارَاتِ والهُويَّاتِ، ويهمُّنا هنا ما تركته على الحضارَةِ الإسلاميَّةِ العربيَّةِ؛ لغةً ودينًا وشعوبًا ... الخ. فالعَربيَّةُ واحدةٌ من أهمِّ اللُّغاتِ التي تركتْ العَولمةُ آثارَهَا عليها، ولا يزالُ التَّأثيرُ مُستمرًا، لذا فكَّرتُ في تسطيرِ هَذه الدِّراسةِ، تَحتَ عِنوانِ «اَللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ وَتَرْوِيْضُ الْعَوْلَمَةِ» . وأهدفُ منها إلى مَعرفةِ إِمكانِيَّةِ تمكُّنِ اللُّغةِ العَربيَّةِ مِنْ ترويضِ العَولمةِ؛ بما تَملكُهُ من خَصائِصَ ومُقوِّماتٍ وتاريخٍ زاخرٍ ... الخ. وتَأتِي هذه الدِّراسَةُ علَى النَّحْوِ الآتِي:

اَلْمَطْلَبُ اَلأَوَّلُ: اَللُّغَةُ وَأَهَمِّيَتُهَا

-التَّعريفُ باللُّغَةِ: لَقَدْ قدَّم العُلماءُ أكثرَ منْ تعريفٍ للُّغةِ ومَفهُومِها ـ ويرجعُ سببُ كثرةِ التَّعريفَاتِ وتَعدُّدِهَا إلى ارتباطِ اللُّغةِ بكثيرٍ مِنْ العُلُومِ ـ منها قول ابن جني:"أصواتٌ يُعبِّرُ بها كُلُّ قَومٍ عَنْ أَغْرَاضِهِمْ" [1] . واللُّغةُ: نِظامٌ مْنْ الرُّمُوزِ الصَّوتيَّةِ الاعتباطِيَّةِ، يَتمُّ بِوَاسطِتَها التَّعَارُفُ بينَ أَفْرَادِ المُجتمعِ، تَخْضَعُ هَذِهِ الأَصْوَاتُ للوَصْفِ؛ مِنْ حَيْثُ المَخَارِجِ أَوْ اَلْحَرَكَاتِ التي يقومُ بها جهازُ النُّطْقِ، وَمِنْ حَيْثُ الصِّفَاتِ والظَّوَاهِرِ الصَّوتيَّةِ المُصَاحِبَةِ لِهذِهِ الظَّوَاهِرِ النُّطقيَّةِ [2] . وهي ظَاهرةٌ اجتماعيَّةٌ تُستخدَمُ لِتحقِيْقِ التَّفَاهُمِ بَيْنَ النَّاسِ [3] ،

(1) ابن جني، أبو الفتح، الخصائص، تح: محمد علي النجار، (1/ 33) ، ط عالم الكتب، بيروت.

(2) عمايرة، خليل أحمد، في التحليل اللغوي، (ص 9) ، ط 1، مكتبة المنار، بيروت، 1987 م.

(3) يوسف، جمعة سيد، سيكولوجية اللغة والمرض العقلي، (ص 51) ، سلسلة عالم المعرفة 145/ 1/1990 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت