لقد بنى العربُ حضاراتٍ شامخةً في البُلدانِ التي فتحُوها شرقًا وغربًا؛ كالحضارة العباسية والفاطمية والأندلسية، إلا أنَّ تلك الحضاراتِ أخذتْ في الأُفولِ بمجرَّدِ القضاءِ على المكتباتِ وحرقِ الكُتُبِ ومُضايقةِ الأُدباءِ والعُلماءِ والمُفكِّرينَ والكُتَّابِ، وإنَّ الكِتَابَ في الوَطنِ العربيِّ وَاجَهَ عَبْرَ العُصورِ المُختلفةِ تحديًا كبيرًا؛ يتمثَّلُ في حَرْقِهِ وتدميرِ مراكِزِ وُجُوْدِهِ، ومُلاحقةِ مُؤلِّفيهِ، ومُضايقتهم بل قتلِهم، ولقد تعرَّضتْ اللُّغةُ العربيَّةُ وأُمَّتُها لجراحٍ كثيرةٍ، كثيرٌ منها كاد أن يعرَّضها للهلاك والاندثار، ولكنَّ الكثيرَ من هذه الجِرِاحِ كان يُدَاوى ويَندملُ، وبعضُها يَتْرُكُ آثارَهُ السَّيئةَ الخطيرةَ، وبعضُها يُكسبُهَا المناعةَ والقُدرةَ على ترويضِ أعدائِهَا واحتوائِهم، ومن ذلك ما يأتي:
اَلْمَطْلَبُ اَلأَوَّلُ: أَهَمُّ مَعَارِكِ اَلْعَرَبِيَّةِ قَدِيْمًا
أَذْكُرُ هنا أَهَمَّ مَعَارِكِ اَلْعَرَبِيَّةِ قَدِيْمًا، مثل: (اَلْمَغُوْلَ، واَلصَّلِيْبِيِّيْنَ، واَلاسْتِعْمَارَ اَلْغَرْبِيَّ اَلْمُبَاشِرَ) .
أَوَّلًا: اَلْمَغُوْلُ وَاللُّغَةُ العَربيَّةُ وَحَضَارَتُهَا: مِنْ أشدِّ الأخطارِ التي تعرَّضَ لها المُسلمونَ والعَرَبُ غارةُ المغولِ والتَّتارِ على بلادِهِمْ فِي القَرْنِ السَّادِسِ الهِجْرِيِّ، ففي المُحرَّمِ سنة 656 هـ حاصرَ هُولاكو (بغدادَ) فدافعَ جيشُ الخليفةُ عنها، ولكنَّه لم يقوَ على الصُّمُودِ لجيشِ المغولِ، فسقطتْ المدينةُ في أيديهم آخرَ الشَّهرِ. واستولى المغولُ على العِرَاقِ، وأزالُوا الدَّولةَ العباسيَّةَ مِنْ الوُجُودِ. وقد أجملَ ابنُ طباطبا ما نَزَلَ بأهلِ بغدادَ في قوله:"فَجَرَى مِن القتلِ الذَّريعِ والنَّهبِ العظيمِ والتَّمثيلِ البليغِ ما يَعظُمُ سماعُهُ جُملةً فَمَا الظَّنُّ بتفصيلِهِ". [1] وأصبحتْ بغدادُ التي كانتْ مَضْرَبَ الأمثالِ في سعةِ العُمرانِ وتقدُّمِ الحضارةِ قفرًا مُوحشةً، وتراكمتْ جُثَثُ القتلَى في شَوارِعِها، فغيَّرتْ رائحتَهَا، وَحَدَثَ بسببِ هذا التّغيُّرِ وباءٌ شديدٌ راحَ ضحيتَه خلقٌ كثيرٌ ـ وما أشبه الليلة بالبارحةِ ـ ولقد كان المغولُ لايُفرِّقُونَ بينَ أحدٍ من النَّاسِ، هَدَفُهُمْ الاستيلاءُ على الأرضِ والمالِ، وبَسْطُ نُفُوذِهِمْ عَلَى أكبرِ رُقْعَةٍ مِنْ هذا العالمِ، ولا وَزْنَ عِنْدَهُمْ لحضارةٍ، ولا مدنيَّةٍ، ولا إنسانٍ. وقد احتدمَ الصِّراعُ بينَ المُسلمينَ والمَغُولِ واستمرَّتْ الحُروبُ سِجَالًا بينهما ما يَقرُبُ مِنْ مئتي سنة (617 هـ-803 هـ) ، ولقدْ كان للغَزْوِ المغوليِّ أثرٌ كبيرٌ في الثَّقافةِ العربيَّةِ، وهذا الأثر قسمان: سلبيّ وإيجابيّ:
-مِن الآثارِ السَّلبيَّةِ للهجمةِ المغوليَّةِ: تتجلّى هذا الآثارُ في غيرِ وجهٍ، وأذكر منها باختصار ما يأتي:
1 ـ إتلافُ الكُتُبِ ونَهْبُهَا: لقدْ اعتدى المغولُ علَى المكتباتِ وكُتُبِهَا في المدُنِ المُحتلَّةِ، وكانَ مِنْ دأبِهِمْ أنْ يحرقُوا المكتباتِ، وأنْ يجعلُوا الكُتُبَ الثَّمينةَ طعامًا للنِّيرانِ والمواقِدِ، يقولُ السُّيوطي:"حُكِيَ عَنْ الصَّاحِبِ بن عبَّاد أنَّ بعضَ المُلُوكِ أرسلَ إليه يسألُه القُدُومَ عليه، فقالَ له في الجَوَابِ: أحتاجُ إلى ستِّينَ جَملًا أنقلُ عليها كُتُبَ اللُّغةِ التي عندي. وقد ذهبَ جُلُّ الكُتُبِ في الفِتَنِ الكائنةِ من التَّتارِ وغيرِهِمْ. بحيثُ إنَّ الكُتُبَ الموجودةَ"
(1) ينظر: الفخري في الآداب السلطانية (ص 247) .