فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 51

بِلادِهَا. وبدأتْ رُوسيا تعتني بالدِّراساتِ الشَّرقيَّةِ والعربيَّةِ على الخُصوصِ في عهدِ البطرسِ الأكبرِ الذي وَجَّهَ إلى الشَّرقِ خمسةً مِنْ الطَّلبةِ الرُّوسيين. وفي عام 1769 م قرَّرتْ الملكةُ كاترينا إجباريَّةَ اللُّغةِ العربيَّةِ. وفي عام 1816 م أُحدثَ قِسْمُ اللُّغاتِ السَّاميَّةِ في جامعةِ بتروكراد.

ومِنْ مَظاهرِ علميَّةِ العربيَّةِ أيضًا أنَّ الكَلماتِ العربيَّةِ في اللُّغاتِ الإسلاميَّةِ: الفَارسيَّةِ والتُّركيَّةِ والأُورديَّةِ والمالاويَّةِ والسِّنغاليَّةِ أكثرُ مِنْ أَنْ تُحصى. والكَلماتُ العربيَّةُ في الإسبانيَّةِ والبُرتغاليَّةِ ثُمَّ في الألمانيَّةِ والإيطاليَّةِ والإنكليزيَّةِ والفَرنسيَّةِ ليستْ قليلةً أيضًا. ولقدْ التقتْ العربيَّةُ بالفارسيَّةِ والسِّريانيَّةِ والقِبطيَّةِ والبربريَّةِ. وكان عندَها أسبابُ القُوةِ، فهي لغةُ القُرآنِ، وتتميَّزُ ببناءٍ قويٍّ مُحْكَمٍ، وتملكُ مادَّةً غزيرةً. لَقَدْ حملتْ العربيَّةُ رسالةَ الإسْلامِ فغنيتْ بألفاظٍ كثيرةٍ جديدةٍ للتَّعبيرِ عمَّا جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِنْ مفاهيمَ وأفكارٍ ونُظمٍ وقواعدِ سُلوكٍ. وأصبحتْ لُغةَ الدِّينِ والثَّقافةِ والحَضَارَةِ والحُكْمِ فِي آنٍ واحدٍ. وكانتْ اللُّغةُ العربيَّةُ فِي سِعَتِهَا وانتشارِهَا فِي أرجاءِ العالمِ، تُشْبِهُ عولمةَ اللُّغةِ الإنكليزيَّةِ اليوم مِنْ حيثُ الانتشارِ والتَّسابُقِ إلى تَعلُّمِها، ولكنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ لم تتجاوزْ حدُودَها اللُّغويَّةَ، وآفاقَها الحضاريَّةَ، ولم تحملْ نزعةَ الشَّرِّ والأذَى والسَّيطرةِ الاقتصاديَّةِ والعسكريَّةِ، والسِّياسيَّةِ، والإنسانيَّةِ لمخلوقٍ، كما تحملُه عولمةُ هذه الأيَّامِ. وكانتْ حضارةُ العربِ والمسلمينَ تتَّسمُ بحملِ الحبِّ، والخيرِ، واحترامِ النَّاسِ جميعًا، لا فرقَ فيها بينَ عربيٍّ أو عجميٍّ، ولا بينَ أبيضَ أو أسودَ، ولا بينَ قويٍّ أو ضعيفٍ، والنَّاسُ كلُّهم سواسيةٌ كأسنانِ المِشْطِ، وشتَّانَ ما بينَ اللُّغتين، وهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أنْ تبلغَ الثَّانيةُ جُزءًا صغيرًا مِمَّا بلغتْهُ الأُولى وعاشتْ في ظلالِهِ. وغَزَتْ العربيَّةُ اللُّغاتِ الأُخرى؛ كالفارسيَّةِ والتُّركيَّةِ والأُورديَّةِ والسَّواحليَّةِ، فأدخلتْ إليها حُرُوفَ الكِتَابَةِ وكثيرًا من الألفاظِ. وكانَ تأثيرُها في اللُّغاتِ الأُخْرَى عَنْ طريقِ الأصْواتِ والحُرُوفِ والمُفرَدَاتِ والمعانِي والتَّراكيبِ. وأَدَّى اصْطِدَامُ العربيَّةِ باللُّغاتِ الأُخرَى إلى اِنْقِرَاضِ بعضِ اللّغاتِ وحُلُولِ العربيَّةِ مَحَلَّها؛ كَمَا حَصَلَ فِي العِرَاقِ والشَّامِ ومِصْرَ، وإلى انزواءِ بعضِها كالبربريَّةِ، وانحسارِ بعضِهَا الآخرِ كالفارسيَّةِ. ولقدْ أصبحتْ لُغاتُ التُّركِ والفُرْسِ والملايو والأوردو تُكتبُ جميعُهَا بالحُرُوفِ العربيَّةِ. وكانَ للعربيَّةِ الحظُّ الأَوْفَرُ في الانبثاثِ في اللَّهجاتِ الصُّوماليَّةِ والزِّنجباريَّةِ لِرِجُوعِ الصِّلةِ بينَ شرقِ إفريقيا وجزيرةِ العربِ إلى أقدمِ عُصُورِ التَّاريخِ. وشاركتْ بِحُرُوفِهَا وألفاظِهَا فِي كُلِّ اللُّغاتِ الأساسيَّةِ في إفريقيةِ؛ وهي الهَوْسَا والماندنجو والوولوف والسَّواحليَّةُ والصُّوماليَّةُ ولُغاتُ النَّيجرِ والدَّناكِلُ في إثيوبيا وإرتيريا، ولا تزالُ اللُّغةُ العربيَّةُ ـ في القرن العشرين والحادي والعشرين ـ تضيف فتوحات إلى ما سبق في كل دول العالم غير العربية وجامعاتها كاستراليا وأمريكا واليابان، وإفريقيا، وغيرها؛ وذلك لدراسة اللغة العربية والوقوف على أسرارها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت