*الهُويَّةُ: حقيقةُ الشَّيءِ أَوْ الشَّخْصِ التي تُميِّزُهُ عَنْ غيرِهِ، وَقَدْ تَكُونُ لُغةُ الإنسانِ هي هويتُهُ، وهي تفكيرُهُ، ولقدْ تكوَّنتْ الهُويَّةُ العَربيَّةُ مِن استخدامِ العربيَّة لغةً، ومِن الاعتزازِ بالإسلامِ دينًا، ومِن التُّراثِ الأدبيِّ والفِكريِّ [1] .ومِن العَسيرِ أنْ نتصوَّرَ شعبًا بِدُونِ هويَّةٍ، وأثبتتْ الدِّراسَاتُ السُّوسيولُوجية أنَّ لِكُلِّ جماعةٍ أو أُمَّةٍ مجموعةً مِن الخصائصِ والمُميِّزاتِ الاجتماعيَّةِ والنَّفسيَّةِ والمَعيشيَّةِ والتَّاريخيَّةِ المُتماثلةِ التي تُعبّرُ عن كيانٍ ينصهرُ فيه قومٌ مُنسجِمُونَ ومُتشابهونَ بتأثيرِ هذه الخَصَائِصِ والمَيْزَاتِ التي تجمعُهم. ومِنْ هذا الشُّعورُ القوميُّ ذاتُهُ، يستمدُ الفَرْدُ إحساسَهُ بالهُويَّةِ والانتماءِ، ويحسّ بأنَّه ليس مُجرَّدَ فَرْدٍ نكرةٍ، وإنَّما يشتركُ مع عددٍ كبيرٍ مِنْ أفرادِ الجَماعَةِ في عددٍ مِن المُعطياتِ والمُكوِّناتِ والأهدافِ، وينتمي إلى ثقافةٍ مُركَّبةٍ من جُملةٍ من المَعَاييرِ والرُّموزِ والصُّورِ [2] .وفي حالةِ انعدامِ شُعورِ الفَرْدِ بهُويتهِ نتيجةَ عواملَ داخليَّةٍ وخارجيَّةٍ، يَتَوَلَّدُ لديه ما يُمكنُ أَنْ تُسميه بأزمةِ الهُويَّةِ التي تَفْرِزُ بدوْرِهَا أَزْمَةَ وعيٍ (Warness crisis) تُؤدِّي إلى ضياعِ الهُويَّةِ نهائيًّا، فينتهي بذلك وُجُودُهُ [3] . والهُويَّةُ تتضمَّنُ مُكوناتٍ ثابتةٍ وأُخرى قابلةٌ للتَّغيير. ويُعتبرُ الدِّينُ واللُّغةُ مِن الثَّوابتِ الرَّاسِخَةِ، بينما تكونُ المُكوِّناتُ الأُخرى مِنْ عاداتٍ وَقِيَمٍ وطُرُقِ تفكيرٍ؛ قابلةً للتَّغييرِ في الشَّكلِ الإيجابيِّ الذي تُحدِّدُهُ حركيَّةُ المُجتمعِ وتفاعُلُهُ بمُحيطِهِ الخارجيِّ. وإذَا كانَ القَوْلُ بثباتِ اللُّغةِ كَمُعطى أَسَاسي يُحيلُ على الهويةِ، فإنَّ ذلك لا يعني تَخْشِيْبَها وتَقْدِيْسَهَا، وَالحيلولةَ دُونَ تطويرِ بُنيتِهَا؛ لإنتاجِ أفكارٍ جديدةٍ وتوليدِ مُصطلحاتٍ لُغويَّةٍ ذاتِ قيمةٍ. ولاشَكَّ أنَّ الهُويَّة العربيَّةِ التي بدأتْ في التَّشكُّلِ دُستوريًا مُنْذُ كتابةِ صحيفةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بعدَ هجرَتِهِ إلى يَثْرِبَ [4] ، وانطلقتْ من مبدأِ التَّغير مع الإبقاءِ على الثَّوابتِ، ولذلك شاركتْ الهُّويَّةُ العربيَّةُ فِي منظومةِ الإنتاجِ الحضاريِّ وبناءِ التُّراثِ العالميِّ، وبقيتْ اللُّغةُ العربيَّةُ مُحافظةً على ثباتِهَا الإيجابيِّ، باعتبارِهَا مُكوِّنًا أساسيًا للهُويَّةِ
(1) ينظر: الموسوعة العالمية العربية (ص 8) . وينظر: الطائي، عباس، (آفات اللغة والهوية) ، مقال نشر بالموقع الإلكتروني (www.ahwazstudies.org) ، وفي هذا السياق وبحضور عربي لافت من معظم دول الخليج العربي، نظمتْ وزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية، ندوةً حول"اللغة والهوية؛ دول الخليج العربية أنموذجًا" (15 ـ 17) فبراير 2009 م.
(2) خلف، بشير، (سؤال الهوية وصدمة العولمة) ، مقال نشر بالموقع الإلكتروني: ضفاف للإبداع: (www.difaf.net) .
(3) بركان، محمد أزرقي، (التحول هل هو بناء الهوية أم تشويه لها؟) ، مجلة فكر ونقد، عدد 12، أكتوبر 1998، (ص 56) .
(4) الجابري، محمد عابد، (الهوية العربية: من صحيفة النبي إلى تفكك الخلافة) ، موقع الأستاذ محمد عابد الجابري على الانترنت.