الآن في اللُّغةِ من تصانيفِ المتقدِّمينَ والمُتأخِّرينَ لا تَجئُ حِمْلَ جَمَلٍ واحدٍ" [1] . ولقد شاعَ بينَ أوساطِ الخاصَّةِ والعامَّةِ أنَّ المغولَ دمَّروا مكتبةَ بغدادَ، ورمُوا كُتُبَهَا في نَهْرِ دجلةَ، يقولُ ابن تغري بردي:"وأُحرقتْ كُتُبُ العلمِ التي كانتْ بها ـ يعني ببغدادَ - مِنْ سائِرِ العُلومِ والفُنُونِ التي ما كانتْ في الدُّنيا، قيلَ: إنّهم بنُوا بها جِسْرًا من الطِّينِ والماءِ عِوَضًا عَن الآجرِ" [2] . ولقدْ كانَ حرقُ الكُتُبِ وتدميرُ المكتباتِ وراءَ تَخَلُّفِ الأُمَّةِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ، فقدْ ضاعَ حَوالَى ثمانيةُ ملايينَ كتابٍ عربيٍّ بسببِ الجهلِ والتَّعصُّبِ والغَزْوِ الأجنبيِّ، وإنَّ حَرْقَ الكُتُبِ وتدميرَ المكتباتِ يُعدُّ من بين أهمِّ الكَوَارِثِ التي واجهتْ الحضارةَ العربيَّةَ والإسلاميَّةَ مُنْذُ تاريخِهَا الطَّويلِ، وحتَّى يومنا هذا. وإنَّها السَّببُ الرَّئيسً لِتخلُّفِها عَنْ النَّهضةِ العلميَّةِ وسرُّ ضَعْفِهَا، وجعلِها نهبًا للمُستعمرِ الأجنبيِّ. فإنَّ المتبحِّرَ في تَتبُّعِ بناءِ الحضارَاتِ في العالمِ قديمًا وحديثًا، يجدُ أنَّ تأسيسَ المكتبَاتِ واحترامَ الكُتُبِ والمُحافظةَ عليها وتبجيلَ العُلماءِ والكُتَّابِ هو سِرُّ بُزوغِ الحضَارَاتِ في العالَمِ وسببُ شُهرتِهَا."
2 ـ تَدْمِيْرُ المَرَاكِزِ العِلْمِيَّةِ وَنَهْبُهَا: لَقَدْ اعتدَى المغولُ وأحلافُهم على المراكزِ العلميَّةِ في البلادِ المُحتلَّةِ، فأحرقُوا بعضَهَا، ودَمَّرُوا أُخرى ونَهَبُوا مُحتوياتها، وهذا ما فعلُوه في بعضِ مَدَارِسِ حَلَبَ وجَوَامِعِهَا سنة 679 هـ، كما أحرقُوا الكثيرَ من المدَارِسِ ودُوْرِ الحديثِ في دِمَشْقَ سنة 699 هـ، ولم تَأْمَنْ المساجدُ مِنْ أَذَى المغولِ، فاقتحمُوهَا، وعَبَثُوا بِمُحْتَوَيَاتِهَا، ونهبُوها، وأحرقُوا بعضَها. وقدْ حملتْ المَسَاجِدُ مُنْذُ ظُهورِ الإسلامِ أمانةَ هَذَا الدِّينِ وتدريسِ عُلُومِهِ وغيرِهَا، فكانتْ مَقْصَدَ طُلاَّبِ العِلْمِ، يَنْهَلُونَ فيها العلومَ مِنْ كِبَارِ العُلَمَاءِ. ولعبتْ المَسَاجِدُ دَوْرًا مُهمًّا في تنشيطِ الحركةِ العلميَّةِ ونشرِ العُلُومِ فِي العَصْرِ المملوكي مثلاَ، وهذا ما يُؤكِّدُهُ مُؤرِّخُو هذا العصرِ، ومنهم المقريزي إِذْ تَحدَّثَ عَنْ حَالِ الجامِعِ الأزْهَرِ آنذاك، فقال:"لَمْ يَزَلْ في هَذَا الجَامِعِ مُنْذُ بُنِيَ عِدَّةٌ مِن الفُقَرَاءِ يُلازِمُون الإقامةَ فيه، وبلغتْ عدَّتهم في هذه الأيامِ سبعمائة وخمسين رجلًا ما بين عَجَمٍ وزيالعةٍ، ومِنْ أهلِ ريفِ مصرَ ومغاربةٍ، ولكُلِّ طائفةٍ رُوُاقٌ يُعْرَفُ بهم، فلا يزالُ الجامعُ عامرًا بِتِلاوَةِ القُرْآنِ ودِرَاسَتِهِ وتلقينِهِ، والاشتغالِ بأنواعِ العُلُومِ والفِقْهِ والنَّحْوِ، ومَجَالِسِ الوَعْظِ، وحِلَقِ الذِّكْرِ، فيجدُ الإنسانُ إذَا دَخَلَ هذا الجامعَ مِن الأُنْسِ باللهِ والارتياحِ، وترويحِ النَّفسِ مالا يجدُهُ فِي غَيْرِهِ" [3] .
3 ـ خَسَارَةُ جُلِّ العُلمَاءِ والأُدَبَاءِ: لَقَدْ نكّلَ المغولُ بعددٍ كبيرٍ مِنْ عُلماءِ الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ وأُدبائِهَا إبّانَ غَزْوِهِمْ واحتلالِهِمْ المدنَ الإسلاميّةَ فِي العَصْرِ المملوكِي، فقدْ أُصيبَ كثيرُونَ مِنهم بجراحاتٍ خطيرةٍ وهُمْ يُشارِكُونَ الجيشَ الإسلاميَّ جِهادَ المغولِ، وأُسِرَ آخرُون، فَنُكِّل بهم، وأُذِيقُوا مِن العذَابِ ألوانًا. وأُبلوا بلاءً حسناُ، وهناك طائفةٌ كبيرةٌ وعظيمةٌ من العُلماءِ والأُدباءِ الذين قُتِلوا إبَّان الغزوِ المغوليِّ للبلادِ الإسلاميَّةِ، ويتبيَّنُ
(1) السيوطي، جلال الدين، المزهر (1/ 97) ، ط المكتبة العصرية، بيروت، 1986 م.
(2) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (2/ 260) ، ط 1 لبنان، 1992 م.
(3) المواعظ والاعتبار (الخطط المقريزية) (2/ 494) ، الطبعة الثانية، مصر، 1958 م.