من تراجمهم أنَّهم كانُوا ذَوِي مكانةٍ مرموقةٍ في مُجتمعاتِهم، وأنَّ دورَهُمْ كانَ كبيرًا في رصدِ الحركةِ الفِكريَّةِ والأدبيَّةِ في عصرِهِمْ، فقدْ تنوَّعتْ عُلُومُهُمْ ومَعَارِفُهُمْ، واشتغلُوا بالفِقْهِ، والحديثِ، والأُصُولِ، والتَّفسيرِ، والنَّحوِ، واللُّغةِ، والنُّجُومِ، والفُرُوضِ، والأدبِ، والشِّعرِ، والكِتَابَةِ، والخَطابَةِ، وغير ذلك، وصنّفُوا كُتُبًا كثيرةً في تلك العُلُومِ والفُنُونِ، ومِنْ هُنُا نُدْرِكَ الخَسَارَةَ الكبيرةَ التي مُنِيَ بِهَا المُسلمون بموتِهِمْ، وتتَّضِحُ لنا همجيَّةُ المغولِ.
* من الآثار الإيجابيّة للهجمة المغولية [1] : لقدْ كانَ للغزْوِ المغوليِّ أثرٌ إيجابيٌّ في الثَّقافةِ العربيَّةِ الإسلاميَّةِ، ويتمثَّلُ ذلك فِي كُتُبِ التَّاريخِ الخاصَّةِ التي سَرَدَتْ أحداثَ هَذَا الغزوِ، أو تناولتْ بعضَ جوانِبِهِ، وأَثَّرتْ المكتبةَ العربيَّةَ بما قدَّمَتْهُ مِنْ معلومَاتٍ، ومنها كتابُ"تفتت الأكباد في واقعة بغداد"، لنجم الدين أبي الخير الدهلي، المتوفى سنة 680 هـ. ويتجلَّى الأثرُ الايجابيُّ فِي النُّصُوصِ الأدبيَّةِ الكثيرةِ، التي واكبتْ الغَزْوَ المغوليَّ، وصوَّرتْ أحداثَهُ، والعلاقاتِ السِّياسيِّةَ والاجتماعيَّةَ بينَ المغولِ والمسلمين. وما يهمُّنا هنا أنَّ الغزوَ المغوليَّ أَثْرَى اللُّغةَ العربيَّةَ بألفاظٍ كثيرةٍ، مبثوثةٍ في كُتُبِ التَّاريخِ والأدبِ والتَّراجِمِ، وهي ذاتُ أُصُولٍ مغوليَّةٍ، أو فارسيَّةٍ، أو تركيَّةٍ. والجامعُ بينها أنَّ المغولَ كانُوا يَنطقُونَ بها، ودَخَلَتْ اللُّغةُ العربيَّةُ جرَّاءَ غَزْوِهِمْ. كَمَا لَمْ يمتنعْ المغولُ من الأخذِ بِمُقوِّمَاتِ الحضارةِ الإسلاميَّةِ، ولم يعترضُوا عَلَى إنشاءِ المدارِسِ والمعاهِدِ العلميَّةِ. كما أنَّ كثيرًا من المغولِ قَدْ دَخَلَ الإسلامَ وحَسُنُ إسلامُهُمْ، وأُبْلُوا بَلاءً حَسَنًا في سبيلِ نَشْرِ الإسلامِ ونُصرَتِهِ، فبعدَ أنْ كانُوا مَعَاوِلَ هدمٍ وتدميرٍ لِمجتمعاتِهِ، أصبحُوا بعدَ عِدَّةِ سنين لَبِنَاتِ بناءٍ قويةً تَصُدُّ عنه أنواءُ الأعداءِ العاتيةِ. يقولُ غُوستاف لوبون: هؤلاء الهَمَجُ المتوحّشون الذين هدَمُوا الآثارَ والبِنَايَاتِ وأَحْرَقُوا الكُتُبَ والمكتباتِ وأَرَاقُوا الدّمَاءَ ونكّلُوا بالأشلاءِ وخرّبُوا بغدادَ وعاثُوا فيها فسادًا - هؤلاءِ الهَمَجُ المتوحّشون أنفسهم أُخِذوا بعجائبِ هذه الحَضَارَةِ وأصبحُوا مِنْ حُمَاتِهَا. ويُضيفُ الكاتِبُ: أنَّهُ في مدرسةِ العربِ تحضّرَ المغولُ فتبنَّوا دينَهُمْ وَحَضَارَتَهُمْ وقرّبُوا إليهم عُلُمُاءَهُمْ، وأكرمُوا أساتيذَهُمْ، وأقامُوا في الهِنْدِ إمبراطُوريَّةً ودُولًا كُبْرَى لا يُمْكِنُ نِفْيَ عربيّتِهَا؛ لأنَّها قامتْ على عناصرِ هذهِ الحضَارَةِ العربيَّةِ ومُنجَزَاتِهَا!! [2] .
ثانيًا: الصَّلِيبُيُّونَ واللُّغَةُ العربيَّةُ وَحَضَارَتُهَا: لم تكدْ الأُمَّةُ الإسلاميَّةُ والعربيَّةُ تتعافَى مِنْ جِرَاحِ الهَجْمَةِ المغوليَّةِ الهَمَجِيَّةِ مِن الشَّرْقِ ... وشاءَ القَدَرُ أنْ يَتَرَبَّصَ بِهَا أعداءٌ مِن الغَرْبِ؛ ليفتِكُوا بها، ويأتُوا عَلَى ما لَمْ يستطعْ المغولُ أَنْ يَمْحُوْهُ فِي كَيَانِهَا وَمَجْدِهَا، وفُرِضَتْ عليها الحرُوبُ الصَّليبيَّةُ التي استمرَّتْ عِدَّةَ قُرُونٍ (1096 - 1291 م) ، وكانتْ حُرُوبَ فُرْسَانٍ، وسُمِّيتْ بهذا الاسمِ نسبةً إلى الذين اشترَكُوا فيها؛ وَتَوَارُوا تَحْتَ رِدَاءِ
(1) للاستزادة: ينظر: رسالة ماجستير"الغزو المغوليّ لدمشق وآثاره السياسية والاجتماعية والاقتصاديّة والثقافية".
(2) نقلًا عن: دولاي، نصر الدين،"انتشار اللّغة العربية و عالميتها من خلال كتاب (حضارة العرب) "، منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث.