الدِّينِ المسيحيِّ وشِعَارِ الصَّليبِ مِنْ أجْلِ الدِّفاعِ عنه، وذلك لتحقيقِ هدَفِهِمْ الرَّئيسِ؛ وهُو الاستيلاءُ علَى أرضِ المَشْرِقِ فِي الوقتِ الذي كان فيه الشَّرقُ مَنْبَعَ الثَّرَوَاتِ، وتأثيراتُ الحرُوبِ الصليبية كانت بعيدة المدى: سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، ودون الدخول في تفاصيل هذه الحروب، فقد تسببَّت بلا شكٍّ في تأخُّرِ الأمُةِ الإسلامية والعربية، وأرهقتها وخلَّفتها عن مواصلة ركب التقدم العلمي والحضاري، وسلبت مواردها وأهدرت مُقدَّراتها وعلمائها، وحطَّمت كثيرًا من أحلامها ... وعلى الرَّغمْ من ذلك لم تندحرْ الحضارةُ الإسلاميَّةُ، ولا اللغة العربية، بل استوعبتْ وصبرتْ، وجاهدتْ بل هَدَتْ أعداءَها إلى سبيلِ العلمِ والحضارةِ والرَّشادِ.
* مِنْ الآثارِ الإيجابيَّةِ للحُرُوبِ الصَّليبيَّةِ: عَلَى الرَّغمِ من النَّتائجِ الكارثيَّةِ للحُرُوبِ الصليبيَّةِ على الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ والعربيَّةِ، لُغةً وشعبًا وحضارةً وعلمًا، إلا أنَّ الحضَارةَ العربيَّةَ روَّضَتْ أَعداءَهَا بما تمتلكُهُ مِنْ مُقوِّماتِ البقاءِ والصُّمُودِ، ومن ذلك ما شاهده ابنُ جبير في حاضرةِ صقلية؛ من ذلك قولُهُ:"وزيُّ النَّصرانيَّاتِ في هذه المدينةِ زِيُّ نساءِ المسلمين، فَصيحاتُ الأَلْسُنِ، مُلتحفاتٌ مُنقَّباتٌ" [1] . ولقد أُعجِبَ بعضُ القادةِ الأُوربيين بالحضارةِ الإسلاميَّة، ومنهم (رُوجرُ الثَّاني) أحدُ مُلوكِ صقلية الذي استحضرَ كثيرًا من الكُتُبِ العربيَّةِ، وأمرَ بترجمتها، وكان يجلُّ العُلماءَ المسلمين، ويُقدِّرُهم؛ فكان الإدريسيُّ إذا جاءَ إلى مجلسِهِ أكرمَهُ واحترمَهُ ووسَّع له [2] . وكذلك الإمبراطور (فريدريك الثاني) الذي كان مُتأثرًا بكُلِّ ما هُو عربيٌّ، وكان يُجيدُ اللُّغةَ العربيةَ كما كانتْ لغته الأم، وخلال طفولته كان على علاقة بقاضي المسلمين في مدينة بالرمو، الذي قدّم له عددًا من الكتب العربية في مختلف العلوم [3] .قال ابن جبير عن الأخير:"ومن عجبِ شأنِهِ المتحدّث عنه أنَّه يقرأُ ويكتبُ بالعربيَّةِ" [4] . وكانت أعدادٌ كبيرةٌ من العُلماءِ الأوربيين اهتمَّت بالتَّرجمةِ من الثَّقافَةِ العربيَّةِ الإسلاميَّةِ إلى اللُّغاتِ الأُوربيَّةِ في الحياةِ الفكريَّةِ في أُوربا الغربية [5] ،"وقد أَحدثتْ هذه التَّراجِمُ كُلُّها في أُوربا اللاتينية ثورةً عظيمةَ الخطرِ، ذلك أن تدفق النصوص العلمية من بلاد الإسلام واليونان كان له أعمق الأثر في استثارة العلماء الذين بدؤوا يستيقظون من سُباتهم" [6] ."كذلك أثارت هذه التَّراجمُ عَقْلَ أُوربا، وحفَّزته إلى البحثِ والتَّفكيرِ" [7] .
(1) رحلة ابن جبير (ص 307) .
(2) دعوة المسلمين للنصارى (2/ 769) .
(3) هونكة، زيجريد، شمس العرب تسطع على الغرب (ص 433) .
(4) رحلة ابن جبير (ص 298) ، دعوة المسلمين للنصارى (2/ 780) .
(5) فضل الإسلام على الحضارة الغربية (ص 86) .
(6) دعوة المسلمين للنصارى (2/ 778) نقلًا عن قصة الحضارة (4/ 21) .
(7) قصة الحضارة (4/ 22) ، دعوة المسلمين للنصارى (2/ 778) .