عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [1] ، فلمَّا وَصَفَها اللهُ بالبيانِ عَلِمَ أنَّ سائِرَ اللُّغاتِ قَاصرةً عنها، وهذا وِسامُ شَرَفٍ وتَاجٌ كَلَّلَ اللهُ به مَفْرَقَ العربيَّةِ، خُصوصًا حينَ ناط اللهُ بها كلامَه المُنزَّلَ، قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [2] ، وقال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [3] . وقال حافظ إبراهيم على لسانِ العربيَّةِ:
وَسِعْتُ كِتَابَ اللهِ لَفْظًا وَغَايَةً ... وَمَا ضِقْتُ عَنْ آَيٍ بِهِ وَعِظَاتِ
فَهُو يُشيرُ إلى الطَّاقاتِ الهَائِلَةِ والمَخزُونِ الضَّخْمِ الذي تمتلكُهُ العربيَّةُ التي وَسِعَتْ هذا القُرآنَ بِكُلِّ أبعادِهِ وآفَاقِهِ. إنَّها لُغةُ الخُلُودِ، حَيثُ لا يُمكنُ أَنْ تَزولَ عَنْ الأَرْضِ إلا أنْ يَزُولَ هذا الكِتَابُ المُنزّلُ، وقَدْ تكفَّلَ اللهُ بحفظِهَا ضِمنيًّا في قولِهِ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [4] . واللُّغةُ العَربيَّةُ لُغةُ الفَصَاحَةِ والبيانِ، يقول الفارابي في (ديوان الأدب) :"هذا اللِّسانُ كَلامُ أَهْلِ الجَنَّةِ، وهُو المُنزَّهُ مِنْ بينِ الألسنةِ مِنْ كُلِّ نَقِيْصَةٍ، والمُعَلَّى مِنْ كُلِّ خَسيسةٍ، والمُهذَّبُ من كلِّ ما يُستهجَنُ أَوْ يُستشنعُ، فبنى مباني باين بها جميعَ اللُّغاتِ؛ من إعرابٍ أَوْجَدَهُ اللهُ له، وتأليفٍ بينَ حركةٍ وسُكونٍ حلاَّه به" [5] .
ويقولُ الثعالبي في مُقدِّمةِ كِتَابِهِ"فِقْهُ اللُّغةِ وسرُّ العَرَبِيَّةِ":"مَنْ أَحَبَّ الله تعالى، أَحَبَّ رَسُولَهُ مُحمَّدًا، ومَنْ أَحَبَّ الرُّسولَ العَرَبِيَّ أَحَبَّ العَرَبَ، ومَنْ أَحَبَّ العَرَبَ أَحَبَّ العَرَبِيَّةَ، وَمَنْ أَحَبَّ العَرَبِيَّةَ عُني بها، وثابَرَ عَلَيها، وَصَرَفَ هِمَّتَهُ إليها، وَمَنْ هَدَاهُ اللهُ للإسلامِ وَشَرَحَ صَدْرَهُ للإيمانِ، وآتَاهُ حُسْنَ سَرِيْرَةٍ فيه، واعتقدَ أنَّ مُحمَّدًا خَيْرُ الرُّسُلِ، وَالعَرَبَ خَيْرُ الأُمَمِ، والعَربيَّةَ خَيْرُ اللُّغاتِ والألْسِنَةِ، والإقبالُ علَى تَفَهمِهَا مِن الدِّيانَةِ، إِذْ هي أَدَاةُ العِلْمِ، وَمِفْتَاحُ التَّفقُّهِ فِي الدِّينِ، وسببُ إصلاحِ المعاشِ والمَعَادِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في الإحاطةِ بخصائِصِهَا، والوُقُوفِ على مَجارِيها ومَصَارِفها، والتَّبحُرِ في جَلائِلِها ودَقائِقِها إلا قُوَّةُ اليقينِ في معرفةِ إعجازِ القُرآنِ، وزيادةِ البصيرةِ في إثباتِ النّبوَّةِ التي هي عُمدةُ الإيمانِ، لَكَفَى بها فَضْلًا يَحْسُنُ أَثَرُهُ، وَيَطِيبُ فِي الدَّارينِ ثَمَرُهُ" [6] . ويُنقلُ عن عمر - رضي الله عنه - قوله: «تَعَلَّمُوا العَرَبِيَّةَ؛ فَإِنَّها تُثَبِّتُ اَلْعَقْلَ وَتُزيدُ فِي المُرُوءَةِ» [7] . وقال ابن تيميّة رحمه الله:"اعلمْ أنّ اعتيادَ اللُّغةِ يُؤثِّرُ في العقلِ والخُلُقِ والدِّينِ تأثيرًا قويًّا بيّنًا، ... وأيضًا فإنّ نَفْسَ اللُّغةِ العربيَّةِ من الدِّينِ،"
(1) سورة النحل، الآية (103) .
(2) سورة الزخرف، الآية (3) .
(3) سورة فصلت، الآية (3) .
(4) سورة الحجر، الآية (9) .
(5) ينظر: السيوطي، جلال الدين، المزهر (1/ 272) .
(6) ينظر: مقدمة كتابه (فقه اللغة) .
(7) ينظر: البيهقي، شعب الإيمان (2/ 257) رقم (1676) .