لا ذمة ولا عهد ولا أمان للمبشرين
جاء في الشروط العمرية [1] ، التي تؤخذ على أهل الذمة:"وَلَا نُرَغِّبُ فِي دِينِنَا وَلَا نَدْعُو إِلَيْهِ أَحَدًا"، وقال ابن القيم _ رحمه الله _ عن هذا الشرط في كتابه (أحكام أهل الذمة) :"هذا من أولى الأشياء أن ينتقض العهد به؛ فإنه حرابُ الله ورسوله باللسان، وقد يكون أعظم من الحراب باليد، كما أن الدعوة إلى الله ورسوله جهادٌ بالقلب واللسان، وقد يكون أفضلَ من الجهاد باليد، ولما كانت الدعوة إلى الباطل مستلزمة - و لا بدَّ - للطعن في الحق، كان دعاؤهم إلى دينهم وترغيبهم فيه طعنا في دين الإسلام، وقد قال تعالى:"وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ"، و لا ريب أن الطعن في الدين أعظم من الطعن بالرمح والسيف، فأولى مَا انْتَقَضَ بِهِ الْعَهْدُ الطَّعْنُ فِي الدِّينِ ولو لم يكن مشروطًا عليهم، فالشرطُ ما زاده إلا تأكيدًا وقوةً".
(1) ) هذه الشروط _ كما يقول ابن تيمية _ كانت:"بمحضر من المهاجرين والأنصار، وعليها العمل عند أئمة المسلمين لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:"اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر"لأن هذا صار إجماعًا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين لا يجتمعون على ضلالة على ما نقلوه وفهموه من كتاب الله وسنة رسوله، وهذه الشروط مروية من وجوه مختصرة ومبسوطة" (مجموع الفتاوى 28/ 651) ويقول رحمه الله في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) :"وهذه الشروط أشهر شيء في كتب العلم والفقه، وهي مجمع عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين وأصحابهم وسائر الأئمة ..."، وقال في (مجموع الفتاوى) :"وهذه الشروط مازال يجددها عليهم من وفقه الله تعالى من ولاة أمور المسلمين"، ويقول ابن القيم رحمه الله في كتابه (أحكام أهل الذمة) :"وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم، واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها".