شيخ قريش في زمانه، وسيِّدٌ من ساداتهم، ورئيس بني نوفل في الجاهليَّة، وقائدهم في حرب الفجار.
ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وتركا عائلاتيهما بمكة، فلما استقرا بالمدينة بعث صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع، وبعث أبو بكرعبد الله بن أريقط وكتب إلى عبدالله بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان وأم أبي بكر وعائشة وأسماء ونزل آل النبي صلى الله عليه وسلم عنده، وهو يومئذ يبني المسجد وبيوته، فأدخل سودة بنت زمعة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، فقال له أبو بكر: (ما يمنعك أن تبني بأهلك؟) ، فبنى بها صلى الله عليه وسلم. ويُفهم مما سبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم لَمْ يبادر إلى التعجيل بالدخول على عائشة، وإنما الذى طلب هذا أبوها، الذى كان يراها مناسبة وصالحة ومهيأة لأن يبني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لَمْ تُتْرَك عائشة طيلة سنوات خطبتها هملًا، بل كانت فترة إعداد لها على قدر طاقتها حتى تصبح الزوج اللائق للنبي صلى الله عليه وسلم، كان قدوتها ومعلمها آنذاك الصديق والدها، وكان مشهود له بأنه أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى، وأعرفهم بالسنة المطهرة، كما كان من أعلام العرب في النسب، ومن أفصحهم في الخطابة، و كان مع كل هذا عالمًا بتأويل الرؤيا، وكما ورثت عائشة عنه صفاته في الجمال فقد كان قسيمًا وسيمًا فكانت جميلة، بيضاء البشرة، حمراء الشعر، طويلة بعض الشئ، ورثت عن أبيها أيضًا، البديهة الحاضرة، والذكاء الحاد، بالإضافة إلى قدرتها التى لا تبارى على التحصيل، والذاكرة الجيدة التى تبدت في الإحاطة بكل ما يقع حولها.
أهلها هذا كله رضي الله عنها وأرضاها لأن تكون التلميذة النبوية النجيبة في بيت زوجها وأستاذها الرسول صلى الله عليه وسلم، الذى حفظت عنه الشئ الكثير بالتلقي المباشر، وشهدت نزول الوحي في حجرتها، كما أتيح لها بدالة القرب الحياتي والقلبي من النبي صلى الله عليه وسلم، نقل السنة الفعلية عنه صلى الله عليه وسلم، وسؤاله فيما استشكل عليها فهمه، والاستفسارعما استعجم عليها معرفته، فأضاف لها كل هذا فهم عميق للكتاب الكريم، والسنة المطهرة، أكسبها ملكة لا تبارى في النقد، والتأويل، والاستنباط، أجلسها هذا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مجلس العالمة، المحدثة، الفقيهة، المفسرة، المفتية، المجتهدة، المستنبطة، حتى غدت