حجرتها الطيبة المباركة جامعة للعلوم الإسلامية، تقصدها نساء المؤمنين، كما يقصدها الصحابة الكرام رضوان الله عليها وعليهم جميعًا.
نعم، كانت أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها بحق بركة على المسلمين، ولما لا وما نزلت آية التيمم إلا بسببِ يتصل بها، وذلك حين أعارتها أختها أسماء قلادة، فضاعت منها، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ليبحثوا عنها، فأدركتهم الصلاة ولم يكن عندهم ماءٌ فصلّوا بغير وضوء، فلما أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه ما كان من أمر صلاتهم فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا, فقال أسيد بن الحضير لعائشة:"جزاكِ الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لكِ منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة"، ودخل أبو بكرعليها كأنه يستسمحها:"إنك لمباركة نزلت فيك رخصة"،بعدما عاتبها سابقًا:"حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟"، وقال ما شاء الله أن يقول, وهو يطعن بيده في خاصرتها، ولا يمنعها من التحرك إلا مكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذها، وما أن بعثوا البعير الذي كانت عليه عائشة حتى وجدوا العقد تحته.
شهدت خديجة الفترة التأسيسية للدعوة الإسلامية في مرحلتها المكية، وهيأ الله تعالى لعائشة أن تشهد بواكير الدولة الإسلامية الفتية في مرحلتها التأسيسية بالمدينة، ومثلما كانت خديجة حب الرسول الأكبر في مكة، كانت عائشة حب الرسول الأكبر في المدينة، يشهد لهذا الحب ما رواه عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: ''عَائِشَةُ''، قُلْتُ: مِنْ الرِّجَالِ؟ قَالَ: ''أَبُوهَا'' (1) .
وهل هناك أبلغ من هذا الحوار الودود الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين زوجه عائشة رضي الله عنها التى نقلته لنا حين قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:''إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً, وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى". قَالَتْ: فَقُلْتُ وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ:'' أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً؛ فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ, وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ''. قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ, وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ (2) ."