الصفحة 12 من 88

ثم يشهد بهذا أعظم شهادة مارواه ابن عساكر عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لها: '' أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا و الآخرة؟ ''، قلت: بلى، قال:''فأنت زوجتي في الدنيا و الآخرة'' (3) .

ولئن اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة رضي الله عنها لينقل لها أنه مودعها حيث الرفيق الأعلى، إلا أنه لحبه الكبير لعائشة اختار صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمَرَّضَ فِيْ بَيْتِهَا, ليموت بَيْنَ سَحْرِهَا وَنَحْرِهَا رضي الله عنها, ثم يكون َدَفْنُهُ فِيْ بَيْتهَا بِبُقْعَةٍ هِيَ أَفْضَل بِقَاعِ الْأَرْض بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ (4) , وقد كان ذلك حين كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:''أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ '' اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ (5) .

عاشت رضي الله عنها بعد انتقال زوجها الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى جوارربه قريبًا من خمسين سنة، تحفها في رحلتها تلك ذكرياتها الجميلة معه التى ما فتئت تتذكر وتذكرها عندما يسألها أحدهم أو إحداهن، ومنها، قَالَتْ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالأَثِيلِ عِنْدَ الأَرَاكِ، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ لِحَاجَتِي، فَدَخَلْتُ فِي خِلالِ الأَرَاكِ، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا نَحْنُ بِشَخْصٍ رَجُلٍ يَتَخَلَّلُ الأَرَاكَ عَلَى بَعِيرٍ، فَذَهَبْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ عِنْدِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي قَالَ:'' تَعَالَيْ أُسَابِقُكِ ''، فَشَدَدْتُ دِرْعِي عَلَى بَطْنِي، ثُمَّ خَطَطْنَا خَطًّا فَعُجْت عَلَيْهِ فَاسْتَبَقْنَا، فَسَبَقَنِي، فَقَالَ:'' هَذِهِ مَكَانُ ذِي الْمَجَازِ''. وَكَانَ جَاءَ يَوْمًا وَنَحْنُ بِذِي الْمَجَازِ، وَأَنَا جَارِيَةٌ قَدْ بَعَثَنِي أَبِي بِشَيْءٍ، فَقَالَ:''أَعْطِنِيهِ''، فَأَبَيْتُ، فَسَعَيْتُ وَسَعَى عَلَى أَثَرِي فَلَمْ يُدْرِكْنِي) .

وكيف لها أن تنسى وقوفه صلى الله عليه وسلم على باب حجرتها ليسترها بردائه وهىَّ تنظر من بين أذنه وعاتقه إلى لعب الأحباش يلعبون بالحراب في المسجد (6) ، وهم من وفدوا مسلمين مع جعفر بن أبى طالب من الحبشة آنذاك، وكيف لها أن تنسى فعل الصحابة وهم يتحرون اليوم الذي يكون فيه النبي صلى الله عليه وسلم عندها دون سائر الأيّام ليقدّموا هداياهم وعطاياهم، لعلمهم بمكانة عائشة منه صلى الله عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت