كما كيف لها أن تنسى أيضًا أيام المحن، وبخاصة محنة"الإفك"، وهي معروفة مشهورة ثابتة في عشر آيات من سورة النور، وفي الأحاديث الصحاح، وهو خبر صحيح مشهور، أغنى اشتهاره عن ذكره، وسنورده مختصرًا: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة معه في غزوة بني المصطلق، وقفل ودنا من المدينة آذن ليلة بالرحيل قامت حين آذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش، فلما فرغت من شأنها أقبلت إلى الرحل فلمست صدرها فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسها ابتغاؤه، فوجدته وانصرفت فلما لم تجد أحدًا، وكانت شابة قليلة اللحم، فرفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه؛ فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد فيرجع إليها، فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة. وقيل: إنها استيقظت لاسترجاعه، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة، وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة؛ فوقع أهل الإفك في مقالتهم، وكان الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه ويشعله عبدالله بن أبي بن سلول المنافق، وهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل. وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش.
يقول صاحب الظلال عن تلك المحنة: (لقد كانت معركة خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك. وخاضها الإسلام. معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج منها منتصرًا كاظمًا لآلامه الكبار, محتفظًا بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره. فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاد صبره وضعف احتماله. والآلام التي تناوشه لعلها أعظم الآلام التي مرت به في حياته. والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها في تاريخه) .
أما الذى لايمكنها نسيانه لأنه اشتهرعنها أيضًا هو غيرتها الشديدة على رسول الله صلى الله عليها وسلم، وهو من فرط حبها له، وكان تبريرها له:"وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟"، ولكنها بسبب تلك الغيرة فعلت أمورًا كثيرة، غفرها لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل ذلك الذى رواه البخاري في صحيحه، أنه في يومٍ من الأيّام كان النبي صلى الله عليه وسلم عند عائشة، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بوعاء فيه طعام، فقامت عائشة رضي الله عنها