إلى الوعاء فكسرته، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يجمع الطعام وهو يقول:''غارت أمكم''.
كما تتذكر كيف غفر لها صلى الله عليه وسلم ولكن بعد أن عاتبها بل هاجمها مهاجمة شديدة، هو تجاوزها منطقة"خديجة"وقد ظنت عائشة لفرط حبه لها أن خديجة صارت في ذاكرته صلى الله عليه وسلم نسيًا منسيا، الأمر الذى طمأنها هيِّ نفسها على مدى وفاء زوجها لها حتى وأن قضت قبله، فلن يسمح لمن تأتي بعدها أن تتناولها بسوء، وهذا لم يكن غريبًا على أخلاق سيد الخَلق والخٌلق، من بعثه الله ليكمل ويتمم مكارم الأخلاق، وهو الذى عُرِّفَ عنه الوفاء لكل من قدم له معروفًا حتى قبل تكليفه بالرسالة، فكيف لا يكون وفيًا لزوجة عاشرها كل هذه السنوات، ورأى منها الذرية التى أقرت عينيه من البنين والبنات؟!!
أما الذى لم يغفره لها رسول الله من أمر غيرتها فهيَّ ما تحكيه قائلة:"لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظنّ أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا وانتعل رويدًا وفتح الباب فخرج، ثم أجافه [أغلقه] رويدًا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت [لبست خمارها] وتقنعتً إزاري ثم انطلقت على إثره، حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعتُ، فهرول فهرولتُ، فأحضر [الحضر هو العدْو السريع] فأحضرتُ، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: ''مالك يا عائش .. حشيًا رابية؟ '' [حشيا رابية: هو مرض يسبّب ارتفاع صوت النفس مع تسارعه] ، قلت: لاشيء، قال: ''لتخبريني أو ليخبرنّي اللطيف الخبير''، قلت: يارسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرتُهُ فقال: '' فأنت السواد الذي رأيت أمامى؟ '' قلت: نعم، فلهدني [اللهد: الدفع بجميع الكف في الصدر] في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال: ''أظننت أن يحيف [الحيف: الظلم] الله عليك ورسوله؟ ''، قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ قال:''نعم''، قال: '' فإن جبريل أتاني حين رأيتِ، فناداني فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعتِ ثيابك، وظننتُ أن قد رقدتِ، فكرهتُ أن أوقظكِ، وخشيت أن تستوحشي'' [الوحشة: الخوف من الوحدة] ، فقال: (إن ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم) ، قلتُ: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: '' قولي"