كان صلى الله عليه وسلم يتعامل معها آنذاك ببشرية الزوج لابعلم الرسول؛ إذ قال لها: ''أما بعدُ ياعائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسيُبَرْئك الله، وإن كنتِ قد هممتِ أو ألممتِ بذنبٍ فاستغفرى الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه''، فهذه ثلاث خيارات لزوج لايعلم عن الموقف أكثر مما يعرفه عامة الناس، إما براءتها من الله، أو اعترافها بالذنب، ثم استغفارها عنه بالتوبة إن كانت قد ارتكبته.
لقد كان لسيدتنا عائشة من الأدب مع رسول الله الزوج الذى يجابهها بخيارات من الصعوبة بمكان على نفسها وقلبها الذى يعد مضرب الأمثال، فلم تطالبه بأن يبحث هو عن الدليل مادام نبيًا أو جاهرت له بالقول بأن عليه أن ينتظر خبر السماء وستقيم هانئة في بيت أبيها حتى تظهر براءتها التى لاتشك أنها آتية لأنها لم ترتكب ذلك الصنيع الشائن، وإذ بالطاهرة، الحيية العفيفة تقول له ودمعها يغالبها وعذاباتها تَحُشُها حشا، وحالها الذى لايسمح لها بأكثر من تصديقه أو تكذيبه لما تقول، ولكنها تجأر بشكواها والتياعها إلى الله من ظلمٍ حاق بها، وذنب لم تفعله، ولم تفكر فيه، ولادار بخلدها: (بلى إني واللهِ قد عرفتُ أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم وَصدَّقْتُمْ به، ولئن قلتُ لكم أنى بريئة والله يعلمُ أنى بريئة لاتصدقوني، وإن اعترفت لكم بأمرٍ والله يعلم أني منه بريئة تصدقوني، وإني والله لاأجد لي ولكم إلا كما قال أبو يوسف: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ) (18) .
ولينظر اللبيب إلى حسن تمثلها رغم مصابها، فقد تمثلت سيدنا يعقوب عليه السلام في محنة فقد ابنه الحبيب إليه، والناس في المحن تتأسى ببلايا وأرزاء من أصيبوا بأكبر من مصابهم للتعزية والتصبر ومواساةٍ لنفوسهم المظلومة المكلومة، ولتشد من أزرها، وتتقوى بهذا على حالها، ويتنزل قرآن ربي بعد حين لِيعُلِنْ براءتها من فوق سبع سماوات، فلا تصرخ مزهوة ولا تخرج على الملأِ الظالم لتكيل لهم الصاع صاعين، ولكنها بكل تواضع المؤمن الصابر المحتسب الشاكر، تقول: (والله ماكنتُ أظن أن يٌنَّزَل في شأني وَحْيٌ يُتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمرٍ يتلى) ، وكانت غايتها رضي الله عنها