الصفحة 27 من 89

تطرأ ظاهرة الانحراف في التكوين الإنساني عامة، وتطرأ في تكوينه الذهني، وفي تكوينه السلوكي، وفي تكوينه العقائدي، وتطرأ على تكوينه الاجتماعي، وتنتمي كلها إلى ظاهرة الاختلاف. وكل مفكر يدرك أن الاختلاف أمر حتمي بل وسيلة للإبداع، ووسيلة إلى تكوين الرأي الأصلح أو المعتدل، بل يؤدي إلى الوسطية، لكن هذا الاختلاف إذا تواصل تواصلًا ذهنيًا وفكريًا، وحاول التبرير والبرهنة بالعقل والتفكير، وأن تكون الوسائل البرهانية هي سبيله إلى الغاية، فتلك السبل هي الطرائق المدنية والحضارية والإنسانية، بل هي العقل والحصيلة التأملية، وتلك التي تؤدي إلى تلاقح الأفكار، وتنامي العلاقات الإنسانية، والحرية العقلية، والسلام الإنساني، والتطور الحضاري بعامة.

أما إذا تواصل الإنسان مع فكرة محدودة، وتوقف عندها، واتخذ وسيلة العنف باللسان أو اليد أو القوة فهنا تكون الطامة على الفرد، وإذا كانت لمجموعات فتكون مصيبتها على المجتمع.

تلك هي بوادر الانحراف السلوكي والاجتماعي الذي يخالف الشرع بالخروج عن طاعة ولي الأمر، والإفساد بسفك الدماء، وترويع الأمة، ووقف أعمالها الخيرية، ووقف البناء الداخلي بل تدميره.

إنهم يعملون أعمالًا شريرة لم تخطر على بالهم، ولم يتدبروا عاقبتهم؛ فعقولهم محجوبة، وأدمغتهم مغسولة، وسلوكياتهم منحرفة، وفكرهم مندفع مقتنع بما لا يقنع به العقلاء، بل عامة الشعب. إن هذا الانحراف الفكري والسلوكي مصيبة العالم الإسلامي الأولى، لأنها تضرب من الداخل، وتبرر البراهين للمتربص الخارجي. إن أعظم مصائب الفرد التي تتأتى من ذوي القربى، وكذلك مصائب الأمة هي التي تتأتى من بنية مجتمعه، أو من صراعاتهم. إن هذه الفئة القليلة العدد جدًا آذت مجتمعنا داخليًا وخارجيًا، وكلفتنا أموالا، وأساءت إلى مكانة الفرد السعودي، بل العربي والإسلامي.

فعلينا أن نتدبر واقع الأمر، ومستقبله، وندرك ماهيته، ونعالجها بشتى السبل الحسنى لمن استجاب للحسنى قبل أن يفعل الانحراف وبالقوة لمن تجاوز وظلم، وأفسد في الأرض.

إننا لما نتأمل في ماهية التفكير عند هؤلاء نجدهم يظنون أنهم قاموا بأعمال دينية، بينما هم قاموا بأعمال ضد الدين، ومتعارضة معه، ومتعارضة مع النظرة الإنسانية، ومع الخاصية العقلية البشرية، ومتعارضة مع السلوكيات ذات القيم الدينية والإنسانية بأمور لو قارناها بسيرة الرسول وصحابته، والدول الإسلامية لو جدنا أنهم مخالفون للدين نقلًا وعقلًا وتطبيقًا، فإعلان الجهاد لا يكون إلا تحت لواء قيادة الأمة، وهم يخالفون الشرع حين يجنون على أهل الذمة، وهم يسلكون سبيل قطاع الطرق؛ يعتدون على المسلمين الآمنين، وهم يعارضون مسيرة العمران حين يتركون العمل والإنجاز، وهم يخالفون الشرع حين يتركون أسرهم أيتامًا أو جياعًا عالة على غيرهم، وهم كذلك يعقون آباءهم وأمهاتهم حين يهجرونهم، ويعذبونهم بالبحث عنهم وبانتظارهم، ثم يفاجَؤون بارتكابهم لهذا الإجرام المنحرف إلى أعلى درجات الإجرام والانحراف. لست ادري أين العقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت