الصفحة 35 من 89

والعقلاء من الساسة والمنفذين يتصدرون لمثل هذا التطرف، فتكون لهم الغلبة في كثير من الأحيان، ونحن شهدنا ألوانًا من التطرف في دولتنا السعودية وفي مصر، ومازلنا نعاني منها، وكذلك سمعنا عن التطرف الإرهابي في مشارق الأرض ومغاربها في دولها، ومن أديانها.

لكن الإرهاب يهدأ بهدوء العالم عن الإثارة، وبهدوء العالم عن إيجاد المحفزات له، وعن دعمها، وأن إثارته مهما كانت خارجية أو داخلية، سياسية أو اقتصادية، دينية أو مذهبية، اجتماعية أو غير اجتماعية فهي عنصر مؤثر فيه.

والغلو والإفراط من ذلك، ومن ثم الإرهاب مصدره خارجي عن التكوين الإسلامي والعربي، بل إن له مصادر داخلية تقوم على مظاهر منها:

(1) توزيع الثروات وإدارة المال العام في سائر دول العالم الثالث، فهي غالبًا لا تقوم على نظم وقوانين ذات شفافية، وإنما تتحكم فيها الأكثر التصاقًا من صغار الموظفين إلى كبارها وإلى البطانات، فكلٌ يختلس حسب مقدرته، ونفتقد في العالم الثالث للإدارة المالية ذات الكفاءة والأمانة العالية، ونفتقد إلى الإدارة الرقابية الفاعلة، ومن ثم تكونت الطبقات التي مصدرها القرب من السلطة، فتتعاظم الطبقات التي لها وشائجها مع السلطات العليا، وتضعف كلما ابتعدت، وتفتقر كلما انقطعت عن الرابط السياسي.

ومن هنا قل استثمار المال العام للصالح العام، فأوجد الصراع البشري على موارد الرزق، وكل هذا يفتقد المصداقية، ويزيد الغلو غلو المفرط إفراطًا. ولو استثمر العالم الثالث موارده بإدارة عالية وشفافية ومراقبة مؤثرة، ولو أوجدنا الوظائف والأعمال التي تستوعب الشباب الذين يجوبون الطرقات ولما تكاثرت نسبة البطالة، والمعروف أن الشباب والفراغ مفسدة للمرء أي مفسدة. وهذه تربة خصبة لتفريخ التطرف والإرهاب.

(2) التنافس المذهبي بين الطوائف، والعلماء عليهم مسؤولية هذا المظهر، فكل يدعي أنه أمين الإسلام، وأنه الذي يسير على الصراط المستقيم، فكثير من أولئك العلماء يستميلون شبابًا من أبناء الأمة وينمقون لهم الأقوال الحماسية فيميل بهم عن الاعتدال الذي زرعته المناهج التربوية المعتمدة من الدول، وأقول"إنها كلها معتدلة، إن لم تفرط تهاونًا لم تفرط غلوًا، لكن أسلوب الحوار والجدل الفكري لم تكن له أسس تنظيرية، ولا تطبيقية حتى في المناهج التربوية، ولا عند أولئك العلماء، أو لنقل طلبة العلم؛ لأني أعتقد أن العالم لا يطلق إلا على أفراد قلة لهم تميزهم المعرفي والعلمي والمنهجي، ولهم سلوكهم المبني على القيم الدينية والإنسانية والعقلية."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت