تناول الدكتور زكي نجيب محمود التجديد الفكري بمتغيراته وماهية التغيير، مدللًا على ذلك بسيرته الشخصية التي تعلقت بالفكر الغربي كثيرًا، ووظف شبابه وحماسه في سبر أغواره فأعجب به، وارتمى في أحضانه، حتى أيقظه تحديد موقفه من أمته، وألح عليه السؤال أين مكانته الفكرية من أمته ومصلحتها؟ فأدرك أنه يجري في موكب متعارض معها، وأخذ يتخبط في فلسفات شتى، حتى تعددت مواقفه، وتعارضت أفكاره، في ندواته ومحاضراته المتلاحقة، ونافح عن موقفه بأنه يبني الفكرة، ويخلص إلى بلورتها، فيقتنع بها، فيذود عنها، غير أن القارئ طالب الحكمة لا يقف عند حد، فسرعان ما تنجلي الزوائف، ويطفو الزبد، فيعرض عنها، وهكذا ظل يتعثر في فيافي الفكر، حتى رأى كثيرًا من النور في التوجهات الإسلامية، وفلاسفة المسلمين، فالتوجيه الرباني قد هداهم، وأنقذهم، بل انتشلهم من الضلال، فألف الغزالي كتاب المنقذ من الضلال، والتقى الفكر المنهجي مع التوجيه الرباني، فكانت العودة، شأنه في ذلك شأن الكثير من المفكرين العرب المعاصرين له، كطه حسين، والعقاد، ومصطفى محمود، وخالد محمد خالد، وغيرهم.
وكنت أمتع النفس بالأزهار، والرياض الماوردية في كتاب المارودي"تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك"الذي يستقطب المكونات الذهنية لبنية العقل والمنطق، وتركيبة النفس المتلونة، والسلوكيات المتغيرة ولاسيما عند الحكام، وكتابُه يمثل القاعدة الراسخة للعقلية الإدارية المنفذة، والسياسية المعتدلة. وميزة الكتاب أنه يروض التنظير العقلي، والسلوكي للتطبيق العملي والممارسة الفعلية، في كل زمان ومكان، مع الأخذ بما يجّد من معرفة وتجارب في هذا الميدان.
وهو يصنف الحاكمين، فبعضهم أخلاقه فاسدة في كل الأوقات، وبعضهم صالحة في كل الأوقات، وآخرون أخلاقهم صالحة في بعضها، وفاسدة في بعضها الآخر.
وقد علق على الصنف الأول بقوله: أن تكون كلَّ أخلاقه فاسدة في كل الأحوال، فتنقلب إلى الصلاح في كل الأحوال، فما ذاك إلا لداع غلب على الطبع، فاجتذبه وقوي عليه قلبه، فيراعي حفظ أسبابه، وتقوية مواده، ولا يغفله، فيجذبه الطبع كما اجتذبه، فإن نوازع الطباع أجذب، وهي إلى ما ناسبها أقرب، وقليل لفساد صلح أن يكون محفوظ الصلاح" [1] ."
وقد تواردت الخواطر، وتمازجت قديمها وحديثها مع الأحداث الناشرة ظلماتها، المثقلة بويلاتها التي قوضت الكويت، وتنثني على العراق، وتخيم بغياهبها على العالم العربي، وقد التقى المتغير في فكر المفكرين مع التنظير في فلسفة الماوردي، وما أعلنه صدام حسين من الجهاد المقدس، الذي فسره العالم باستقطاب الشعوب الإسلامية لتؤازره وتناصره، لا عن انبعاث إيماني وتغير من الفساد العام إلى الصلاح العام كما يقول الماوردي. ونحن نؤيد هذا التوجه. ومما يغرينا به اندفاعه إلى اتجاهه الذي اختطه قبل الإنابة والتوبة. غير أننا لما نراجع
(1) الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر، ص: 38.