أنفسنا نقول: إن النفس تعود إلى باريها في الشدائد، ولعل صدام حسين تدارك هذا، وإن جانبه الصواب في سلوكيات التوبة تباعًا لمجانبة الصواب في سالف حياته.
ونحاور أنفسنا، فلولا توبة أعادته إلى رشده، فسلكت به الهداية، وتخلى عن ماضيه، كما أعلن المفكرون من معاصريه رفضهم لفكرهم السالف، وتوج توبته بحقن دماء المسلمين ورفع يده عن أرض الكويت، واحتضنها في أمان مع لين الجانب والصبر على الابتلاء، وبأخذ التدابير التي تحمي من نزواته، لثبتت مصداقيته، وأقلع عن أطماعه، وعدوانيته، وطغيانه، وفكر بروح العصر، وصوب بصيرته للتوجه الإسلامي في سلام مع الشعوب العربية والإسلامية، وحارب النفس التي قال عنها جده - كما يدعي - على بن أبي طالب - رضي الله عنه: أعجب ما في الإنسان نفسه، إن شح لها الرجاء أذلها الطمع، فأنت رجوت المال حتى نسيت القناعة، وأسلمك طمعك إلى موقفك المعاند للعالم أجمع، وحرصت فأفرطت، فهلكت، فإن النفس إذا هاجها الطمع أهلكها الحرص.
وربما أن الذي غرر بك سعادة الرضا بالانتصار الإعلامي، والتفاف القادة حولك حتى نسيت التحفظ والحيطة، وتدحرجت في محيط الخشية والخوف عن يمينك وشمالك، ومن فوقك، ومن البر والبحر والجو، وأخشى ما أخشاه أن يؤدي الإفراط إلى مفسدة، فيحرمك من المحافظة على توجهك الجديد إن صدقت، كما يرى الماوردي في تنظيره السالف.
تلك قبسات من حكمة جدك إن صدقت بنسبك فهل تنتسب إليه في الحكمة أم في النسب والعنصرية؟ وهما ما يرفضهما.
والحكماء نسبوا إرادة الفعل إلى العقل والرأي والهوى، فالعقل وعاء التخطيط والتنفيذ، والرأي هو الترجيح فيما تشابه، أو تباعد، أو تعددت الخيارات، والرأي هو الخاضع للنشوء والتطور المتلون بالزمان والمكان والحدث الذي توالت عليه مسارب من الحياة ذات الوشائج المتواصلة. فإذا التقى العقل والرأي كان الإحكام والإتقان.
والهوى هو ميل النفس الأمارة بالسوء والعواطف الشهوانية، فإذا استحوذت على العقل وسُخِّر لها فإنها تجنح بصاحبها إلى غياهب الهوى الذي يخضع للمال والجاه والسلطة والجنس، وغيرها من الغرائز.
وأنت يا صدام في وضعك الراهن هيمنت عليك الأهواء النفسية المتمثلة في الطمع والطغيان، واستنجدت بالعقل، فهو يغريها بالمبادرات التي تنبع من الهوى، فلا تجد قبولًا ولا صدى، ولا ميزانًا لها في الرأي والواقع، فتدبر المثل القائل"ذل هواك تعز"، ونحن نتمنى أن ينضم إلى توجهك الديني - كما تعلن - العقل السليم، والرأي السديد وأن يغلب جانب الرأي جانب الهوى، فيستوي في ميزان العقل، فيؤهل للنظر بنواظر دينية إنسانية، ومنطقية في واقعية موضوعية، وتضع الحلول التي تقربك إلى الله زلفى، فتصون الأنفس، وتحمي الجار،