الصفحة 50 من 89

أو ترفع الأذى عنه، وترعى حرمته، ومن تمام التوبة أن تعيد إليه ما سلبته قهرًا وظلمًا، فهو لم ينزل ميدانًا للحرب، والعرب من قبل لا تأخذ بالغدر، وإنما تنذر أولًا، والإسلام لا يأمر بنبذ العهود أولًا.

ومما يمليه عليك اتجاهك الإسلامي - إن صدقت - الاستجابة لمطالب رعيتك، ترعى مصالحهم، وتحفظ دماءهم وأموالهم وأرضهم ووطنهم، فبهم قويت، وبهم تعاليت، وبهم خاصمت، وقاتلت، وبهم انتصرت، فكيف ترمي بهم في شرر من لهب، وجحيم من غضب، وتضعهم في مواجهة العالم، وتستدعي لهم الأعداء من كل حدب وصوب، فهذا جزاء سنمار،"فهم لا يقدرون على الدفع عن أنفسهم إلا بسلطانه، ولا يصلون إلى العدل والتناصف إلا بإحسانه، وهو منهم بمنزلة ولي اليتيم المندوب لكفالته، والقيّم بمصالحه، يلزمه - بحكم الاسترعاء والأمانة - أن يقوم لله، ويصلح خلله، ويحفظ أمواله، ويَثمرِّ مواده، كذلك مكانه من رعيته في الذب عنهم، والنظر لهم، والقيام بمصالحهم" [1] .

وأنت خالفت ذلك فآثرت أهواء سلطانك، فأنت تقذف بهم من قتال مسلمين إلى قتال مسلمين، يسفكون دماء إخوانهم في العروبة والإسلام، وتهدر أموالهم في السلاح، وتحول بينهم وبين الاستثمار والنماء والبناء، وتتكبر، وتتمادى في الحصار تعنتًا وعنادًا، وأنت تحرمهم من استثمار نفطهم، فهل أنت وريث للنعمان الذي يبعث بكتبه إلى القبائل العربية، أم أنت وريث المنذر بن ماء السماء الذي يضحي بأخيه العربي، ويفتك بالناس في يوم مشئوم. أم أنت وريث عمرو بن هند الذي قضى على نفسه بسبب من طغيانه وتكبره حتى لاقى إعصارًا أقوى منه، ذلك لما قتله عمرو بن كلثوم التغلبي للتفاخر بالأمهات، وسمي بالمحرق لتحريقه العرب، كأنك تعود إلى أحضان التاريخ، أو التاريخ يعيد ذاته بك، فأنت أهلكت رجالك، وأضعت مالك، وهدمت حضارتك، وأجعت شعبك، وحاصرته، وروعته، فهو وجل فزع يترقب.

فأين أنت من صلاح الرعية الذي يتم بالآتي:

(1) أن يكف الحاكم أذاه عنهم.

(2) أن يذب عنهم.

(3) أن يكون عونًا لهم على منافعهم.

ويقول بعض الحكماء"إذا لم يكن في سلطان الملك سرور الرعية كان ملكه ظلمًا"، ويقولون:"من وثق بإحسانك أشفق على سلطانك".

ونحن لو نظرنا نظرة موضوعية في موقفك، وقلنا: إن عندك قوة جوية فما يقابلها؟! وعندك قوة أرضية فما يصادمها، ويحلق فوقها؟، وعندك قوة كيماوية أو قل ذرية فما يقابلها؟ إذا ضربت ألا تضرب قومك، وإذا دمرت ألا تدمر شعبك .. الحرب في ديارك، وعلى أرضك، والقتال يطال جندك وشعبك ومصانعك

(1) الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر، ص: 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت