الصفحة 53 من 89

إن البناء المعرفي والفكري المؤسسي الذي أشادت الدولة بأركانه منذ تأسيسها يمثل العيون المبصرة التي تدفقت عنها التكوينات الذهنية للأفواج والأمواج المتدفقة من العلماء، ورجال الفكر والأدب والعلم التطبيقي في ماض يقارب القرن من الزمن، حيث عمَّ أرجاء الوطن، وتصاحب مع عمران الصحراء وتنامي القرى وتكوين المدن، فأنت إذا رأيت عمرانًا فحتمًا إن وراءه عمرانًا فكريًا، فكلاهما يتمدد تحت ظلال الأمن والاستقرار ودعم الدولة للخطط الهيكلية وبناء المؤسسات الشامخة، وهذه تمثل القواعد الراسخة التي تنشئ العقول الذهنية المستوعبة للمعرفة، فشمولية المدارس، وتكاثر الكليات، وقيام الجامعات هي المنابع الذهنية، وهي منابت العقول الفكرية، وهي الشهادات الوطنية لدولتنا وولاة أمرنا.

تلك البنية المعرفية والتلاحم التأسيسي للذهنية الوطنية، ولكن حين تتشكل تلك إلى التكوين الثقافي والحضاري فإننا ننطلق إلى السؤال الذي ينطرح أمامنا، أين المؤسسات الثقافية الفعالة التي تحصد ثمار تلك الأشجار المثمرة، وتقوم بتصنيع الثمار العقلية، وتخرجها للاستهلاك المحلي والخارجي، وتحاول تنميتها وتطويرها، وتتعهد بالرعاية والحماية، وتمديد العون لها؟.

إن المنظور من الجهد والاجتهاد حول الأمر الثقافي، والرصد الحضاري للإدارات الحكومية أمر يتشكل في تنوعات متوازية تدعمه مؤسسات حكومية، يتمثل العطاء الثقافي عندها جزءًا ثانويًا من اهتماماتها الجليلة، من هنا كان العطاء والبذل والنتائج كلها متواضعة، وكانت النتيجة لهذه الإدارات الثانوية الضعف؛ ليس في التكوين المبدئي الثقافي، وإنما في تواصل الرعاية بعد أن شبت عن طوق مراحل التعليم، فكانت الجهود مبعثرة، وكان نتيجة الضعف الإعلامي للمثقف والثقافة داخليًا، والفقدان والعدم لهما خارجيًا، وموات الهمة والعزيمة لكثير من العقول النامية المتأججة، فكم من شاعر لم يهتم به، فماتت مواهبه! وكم من قاص وقاصة توقف بعد أول نتاج له! وكم من الرسائل العلمية والفكرية أضحت في طي النسيان؟ وكم من المؤلفات تنتظر موت أصحابها لتموت! وكم من المؤلفين يجولون بحقائبهم على تلك الإدارات لعلهم يشترون مؤلفًا وتذهب هذه الدريهمات في كلفة التطواف. طبعًا الأمر لا يشتمل المحظوظين القلة الذين يحصدون الألوف بكتاب واحد. أما صاحب المؤلفات الكثيرة فمناه لا يتجاوز عشرة الآلاف ثمنًا لخمسة كتب، أو ينتقي منهن واحدًا.

أما في الخارج فأنت لا ترى تواجدًا في المكتبات التجارية في عواصم الدول العربية، فكيف بالمدن المتناثرة؟ وكذلك لا تجد للكتاب السعودي حضورًا في المكتبات العامة الوطنية والجامعية، وكذلك لا رؤية له في المعارض الكبرى. ومن هنا أدرك ولاة الأمر ضرورة تكوين مؤسسة تشرف على التكوين الثقافي، وتجمع شتات الإدارات المسؤولة عنه.

وهي الآن تمثل مرحلة انتقالية أمام وزير الثقافة والإعلام، وأمام أعوانه ومستشاريه، وأمام لجانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت