كانت تربية المواشي ضرورة حياتية لأهل الجزيرة، توارثوها أحقابًا بعد أحقاب وأجيالًا بعد أجيال يستوي في ذلك البدوي في باديته، والحضري في حاضرته، والقروي في ريفه؛ وذلك لأنها مصدر الثروة، ومصدر الغذاء، فكانت البيوت تحوي حظائر للأبقار أو الأغنام، والإبل ترعى في محارم المدن والقرى وفي الصحراء الممتدة أو الأودية ذات الغابات الكثيفة. ونحن مع قيام المدن، وتحضر البادية، وانعدام الحاجة الفردية لها وصعوبة تربيتها، وتصحر الجزيرة أكثر فإن الميل لتربية الماشية يزدادُ. حتى بعض الموظفين وهو يمارس وظيفته له حظيرة في أطراف المدينة، أو له مرابط إبل في مشارفها وفي المزارع، يعتني بتربية الماشية. والوجهاء يعنون باقتناء الإبل ومنها المجاهيم، والمغاتير، والحمر والصفر، والعمانية والباكستانية، إلى جانب تربية المواشي في مزارعهم.
إنها مهنة مشترك فيها الأغنياء والفقراء، الأغنياء عنوا بإبلهم حتى أثقلتها الشحوم واللحوم، فأسرفوا عليها، وليت الفائض للإسراف يُعطى للفقراء أو لمواشيهم، وابتليت المواشي بالفقراء، فهي هزيلة كأصحابها، ترعى القفار المجدبة، وتلتهم الأسمال البالية والباقية، وتخزن البلاستيك الذي لا يُهضم حتى يلوي بها الألم، فالموت.
إن تربية الماشية أصبح فوق طاقة الجزيرة حتى لو توالت أيامها ربيعًا، إن سني القحط والجدب تحتاج إلى جمعية تسمى جمعية الرفق بالحيوان، فتغذي الإبل السائبة في الصحارى، والإبل العجاف عند الفقراء، وربما أن الرفق يشمل المواشي وأهلها. إن تلك المواشي تحتاج إلى من يغذيها تارة، وتارة تحتاج إلى من ينقلها إلى مواطن الأشجار والأعشاب. إننا في حاجة إلى جمعية الرفق بالحيوان، وسوف تتعدد مهامها، وتجد أنها غير قادرة على إكمال أوجه النقص.
إن تربية الماشية ليس لها مؤسسة تقوم عليها، ولا نظام يؤطر كيفية تربيتها والتعامل معها. إنها تربية عشوائية ليست كما كانت في السالف. إن ظروف الحياة في الجزيرة تغيرت من المراعي الفسيحة، والأودية المعشبة، والغابات الكثيفة والجبالِ ذات الأشجار السامقة إلى المدن الزاحفة والعمران الذي اجتاح القرى، ومواطن الرعي، وقد انتشرت المخلفات الملوثة بدل الأشجار الوارفة، حتى المياه أصبحت ملوثة، بل الأمطار ملوثة، بل حتى الرعي الزراعي كثيرًا ما يفتك بالمواشي. إن لحوم المواشي التي تربى في أطراف المدن ملوث أيضا، فأطعمتها من القمامة الملوثة فألبانها ملوثة، ولحومها تكاد أن تكون ملوثة.
والسؤال الذي يطرح نفسه، مَنْ المسؤول عن هذه المواشي في أطراف المدن، وفي ثنايا القرى، ويعنى بالرعي والمراعي مكانًا وحيوانًا؟